محمد راغب الطباخ الحلبي

121

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

رجعت عن هذا العزم وهذه النية ، وأبرم عليه أن يدخل إلى عنده فأبى ، ورجع الشيخ رضي اللّه عنه إلى مكانه ، وصار الشيخ خالد يعتقده ويزوره ويلتمس الدعاء منه . ونظير هذه الحكاية ما حكاه لي الشيخ عبد القادر بن الحجار أنه كان في هذه الديار رجل عالم كبير شافعي المذهب ومفتي الشافعية يقال له الشيخ إبراهيم العمادي ( المتوفى سنة 954 ) ، وكان في جواره رجل من المشايخ يقال له الشيخ محمد الخاتوني ، وكان يقيم حلقة الذكر مع الفقراء بالأصوات العالية ، وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، وكان الشيخ إبراهيم العمادي دائما يطعن فيه وينكر عليه كإنكار الشيخ خالد على الشيخ أبي بكر ، فاتفق أن وقعت حادثة سؤال علمي في بلاد الشام ، ووقع الاختلاف بين علمائها في الجواب عنها ، ثم اختاروا أن يرسلوا إلى الشيخ إبراهيم العمادي من الشام إلى حلب هذا السؤال في كتاب حتى ينظروا بماذا يجيب ، فلما وصل الرسول إليه بالمسألة أخذها وتأمل فيها مليا ، فخطر في باله أنها مذكورة عنده في أحد كتبه ، وكان عنده كتب كثيرة نحو ألف مجلد ، فجعل يفتش ويقلب الكتب يمينا وشمالا ولم يظفر به مدة أيام والرسول يلح عليه في الجواب ليذهب به إلى الشام ، فبينما هو متحير ذات يوم إذا بالشيخ الخاتوني داخل عليه ولم يكن بينهما اجتماع واقع قط ، فتلقاه الشيخ إبراهيم العمادي متعجبا مترحبا به ، فجلس الشيخ الخاتوني في عتبة المكان ، فقال له الشيخ إبراهيم : يا سيدي ، اطلع إلى فوق المكان ، فأبى إلا الجلوس في العتبة وقال : إني جئت إليك لتفتح لي فالا في أحد الكتب ، فقال له الشيخ إبراهيم : انظر إلى ما تريد من الكتب ، فنظر إلى جانب من جوانب الكتب وقال له : أنزل هذا الكتاب ، فأنزله الشيخ إبراهيم ، فأخذه الشيخ الخاتوني وقال : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، وفتحه وناوله وقال له : اقرأ ، فنظر الشيخ إبراهيم المسألة وجوابها في هذا المحل الذي فتحه الشيخ الخاتوني ، فتعجب الشيخ إبراهيم من ذلك واعتقد على الشيخ الخاتوني من ذلك الوقت وصار يزوره ويسأله الدعاء . ا ه . أقول : وفيما نقلناه كفاية إذ ليس هنا موضع استقصاء أحوال المترجم وذكر جميع مناقبه لأنها كما قلنا أفردت بالتآليف . بقي شيء يجدر أن نذكره هنا وهو أنه قد كثر في زمننا منكرو كرامات الأولياء وما يخبر به هؤلاء المجاذيب من الأمور الغيبية ، إذ لا يرون وراء المحسوس شيئا ، ويعتقدون أن خرق النواميس الطبيعية من الأمور المستحيلة . ولو أنصف هؤلاء لما ذهبوا إلى القول