محمد راغب الطباخ الحلبي
464
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
لكنيسة هيلانة التي هي الحلوية ، وبينها ساباط معقود البناء تحت الأرض يخرج منها من الكنيسة إلى المذبح ، وكان النصارى يعظمون هذا المذبح ويقصدونه من سائر البلاد ، وكانت حمّام موغان حمّاما للهيكل ، وكان حوله قريبا من مائتي قلاية تنظر إليه ، وكان في وسطه كرسي ارتفاعه إحدى عشرة ذراعا من الرخام الملكي الأبيض . وذكر ابن شرارة النصراني في تاريخه أن عيسى عليه السلام جلس عليه ، وقيل جلس موضعه لما دخل حلب ، وذكروا أن جماعة من الحواريين دخلوا هذا الهيكل ، وكان في ابتداء الزمان معبدا لعبّاد النار ، ثم صار إلى اليهود فكانوا يزورونه ، ثم صار إلى النصارى ، ثم صار إلى المسلمين . وذكروا أيضا أنه كان بهذا الهيكل قس يقال له برسوما تعظمه النصارى وتحمل إليه الصدقات من سائر الأقاليم ، يذكر في سبب تعظيمهم له أنه أصاب أهل حلب وباء في أيام الروم فلم يسلم منهم غيره . قال : وكانت هذه المدرسة تعرف قديما بمسجد السرّاجين ، ولما ملك نور الدين حلب وقفه مدرسة وجدد فيه مساكن يأوي إليه الفقهاء وإيوانا ، وكان مبدأ عمارته ، قال ابن شداد ، في سنة أربع وأربعين وخمسماية ، ومكتوب على بابها في سنة ثلاث وأربعين ، ومتولي عمارتها القاضي فخر الدين أبو منصور محمد بن عبد الصمد بن الطرسوسي الحلبي ، وكان ذا همة ومروءة ظاهرة له أمر نافذ في تصرفه في أعمال حلب وأثر صالح في الوقوف ، ثم انعزل عن ذلك أجل انعزال ومات في وسط سنة تسع وأربعين وخمسماية . والمحراب الذي في إيوانها منجور فرد في بابه جدد في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن محمد في سنة ثلاث وأربعين وستماية ، وكان بها خزانة كتب فذهبت . وكان على قبتها طائر من نحاس يدور مع الشمس فذهب . ورأيت في كلام داود بن علي أحد الفقهاء بها ما لفظه : فاطمة زوجة الكاساني هي التي سنت الفطر في رمضان للفقهاء بالحلاوية ، كان في يديها سواران فأخرجتهما وباعتهما وعملت بثمنهما الفطور كل ليلة فاستمر ذلك إلى اليوم . قلت : بل انقطع ذلك بالكلية . ( ثم قال ) : ولما فرغ من بنائها استدعى لها من دمشق الفقيه الإمام برهان الدين أبا الحسن علي بن الحسن بن محمد ابن أبي جعفر ، وقيل جعفر البلخي فولاه تدريسها . واستدعى الفقيه برهان الدين أبا العباس أحمد بن علي الأصولي السلفي من دمشق ليجعله نائبا عن برهان الدين فامتنع من القدوم ، فسير إليه برهان الدين كتابا ثانيا يستدعيه فيه ويشدد عليه في الطلب ، فأجابه عن كتابه