محمد راغب الطباخ الحلبي

453

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

حلب » الذي بسطنا الكلام عليه في المقدمة قضت علينا أن نستقصي أخباره ونذكر جميع ما نقف عليه من تراجمه ، وهي وإن طالت وتكرر بعضها ولكنك تجد في كل واحدة منها من الزيادات والفوائد ما لا تجده في الأخرى ، وجدير أن يبسط بأمثال هذا الرجل المقال وإن طال . على أنك إذا تأملت قليلا فيما ترجمه به ياقوت وهو في هذا السن لتيقنت أنه لو تأخرت وفاته عنه لأفرد لترجمته مجلدا على حدة ، ولحكمت على من ترجمه بعده بأنه قد قصر في ترجمته غاية التقصير ولم يوفه بعض ما يستحقه . والعجب كل العجب كيف أهمل ابن خلكان في تاريخه وفيات الأعيان ذكره وذكر ابن أبي طي بن حميدة مع أنهما من معاصريه ويعرفهما حق المعرفة ، لأنه بقي في حلب لتلقي العلوم فيها من سنة 626 إلى سنة 635 كما تقدم في ترجمة أبي البقا يعيش وترجمة القاضي بهاء الدين بن شداد . والأغرب من ذلك أنه نقل عنهما في غير موضع من تاريخه هذا ، ولا ندري ما هو العذر الذي نلتمسه لابن خلكان على ذلك ، ولا ريب أنه أهمل ترجمتهما لشيء كان في نفسه مما لا يخلو عنه المتعاصرون . وهنا نذكر لك ما ذكره في كشف الظنون في الكلام على وفيات الأعيان لابن خلكان من الانتقاد عليه حيث قال : وقد شنع عليه بعض المؤرخين من جهة اختصاره تراجم كبار العلماء في أسطر يسيرة وتطويله في تراجم الشعراء والأدباء في أوراق وصحائف ، وربما يكون من طول ترجمته مطعونا بانحلال العقيدة وهو يثني عليه ويذكر أشعاره وقصائده ، ولعل العذر فيه ما أشار إليه من أن اشتهار ذلك العالم كالشمس لا يخفي وعدم اشتهار ذلك الشاعر ا ه . أقول : وهذا العذر ليس بشيء إذا تأملت أدنى تأمل . ولنعد إلى ذكر ما وعدنا به فنقول : قال في فوات الوفيات : ( عمر بن أحمد بن هبة اللّه بن أبي جرادة ) الصاحب العلامة رئيس الشام كمال الدين العقيلي الحلبي المعروف بابن العديم . ولد سنة ثمان وثمانين وخمسماية وتوفي سنة ستين وستماية ، وسمع من أبيه ومن عمه أبي غانم محمد وابن طبرزد والافتخار ( أي افتخار الدين عبد المطلب الهاشمي المتوفى سنة 616 ) والكندي والخرستاني ، وسمع جماعة كثيرة بدمشق وحلب والقدس والحجاز والعراق . وكان محدثا فاضلا حافظا مؤرخا صادقا فقيها مفتيا منشيا بليغا كاتبا محمودا ، درس وأفتى وصنف وترسل عن الملوك . وكان رأسا في الخط لا سيما النسخ والحواشي ، أطنب الحافظ شرف الدين ( عبد المؤمن