محمد راغب الطباخ الحلبي
433
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
ومنهم ولده الشيخ أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن محمد بن أبي جرادة صدر زمانه وفرد أوانه ، ذو فنون من العلوم ، وخطه مليح جدا على غاية من الرطوبة والحلاوة والصحة ، وله شعر يكاد يختلط بالقلب ويسلب اللب لطافة ورقة ، تصدر بحلب لإفادة العلوم الدينية والأدبية متفردا بذلك كله ، ورتب غريب الحديث لأبي عبيد على حروف المعجم رأيته بخطه ، وشرع في شرح أبياته شروعا لم يقصر فيه ظفرت منه بكراريس من مسوداته لأنه لم يتم . سمع بحلب والده أبا المجد وأبا الفتح عبد اللّه بن إسماعيل الحلّي وأبا الفتيان محمد بن سلطان بن حيّوس الشاعر وغيرهم ، ورحل عن حلب قاصدا للحج في ثالث شعبان سنة 516 ، ووصل إلى بغداد وسمع بها أبا محمد عبد اللّه بن علي المقرئ وغيره . ولم يتيسر للناس في هذا العام حج فعاد من بغداد إلى حلب ، ثم سافر إلى الموصل بعد ذلك في سنة 31 وسمع بها ، وأدركه تاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني فسمع منه بحلب هو وجماعة وافرة . وذكره السمعاني في المذيل لتاريخ بغداد . قال المؤلف : وقد ذكرته في هذا الكتاب في موضعه بما ذكره السمعاني به . حدثني كمال الدين قال : سمعت والدي رحمه اللّه يقول : كتب الشيخ أبو الحسن بن أبي جرادة بخطه ثلاث خزائن من الكتب لنفسه وخزانة لابنه أبي البركات وخزانة لابنه أبي عبد اللّه . ومن شعره ( أنبأنا به تاج الدين زيد بن الحسن الكندي ) من قصيدة يصف فيها طول الليل : فؤاد بالأحبة مستطار * وقلب لا يقرّ له قرار وما أنفك من هجر وصدّ * وعتب لا يقوم له اعتذار وعيني دمعها جم غزير * ولكن نومها نزر غرار كأن جفونها عند التلاقي * تلاقيها الأسنة والشفار وهذا حالها وهم حلول * فكيف بها إذا خلت الديار أبيت الليل مرتفقا كئيبا * لهمّ في الضلوع له أوار كأن كواكب الفلك اعتراها * فتور أو تخوّنها المدار منها : فيا لك ليلة طالت ودامت * فليس لصبحها عنها انسفار