محمد راغب الطباخ الحلبي

395

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

والطرف ، فقال : حضرت اليوم في مجلس الملك الرحيم أتابك طغرل الظاهري وحضرت المائدة وفيها طعام الملوك ، شواء وشرائح وسنبوسج وحلاوات وغيرها كما جرت العادة ، فتأملته فنفرت نفسي منه ولم تقبله مع كوني قد قارب الظهر ولم أتغد ، فلم أنبسط ولا مددت يدي إليه ، فقال لي : مالك لا تأكل ؟ وكان قد عرف عادتي ، فقلت له : إن نفسي لا تقبل هذا الطعام ولا تشتهيه ، فقال : لعلك شبعان ، قلت : لا واللّه ، إلا أنني أجد في نفسي نفرة منه ، فأشار إلى غلام فدخل داره وجاء بمائدة عليها عدة غضائر من الدجاج ، فلم تقبل نفسي إلا دجاجة واحدة معمولة تحت رمان ، فمددت يدي إليها وتناولت منها ، قال : فرأيت أتابك وهو يتعجب ، فقلت له : ما الخبر ؟ فقال : أعلم أنه ليس في هذا الطعام شيء أعلم من أين وجهه ، وهو من عمل منزلي غير هذه الدجاجة ، والباقي فجاءنا من جهة ما نفسي بها طيبة ، وتشاركت أنا وهو في تلك الدجاجة مع بغضي لحب الرمان . وكان أتابك لا يأكل إلا من مال الجوالي فقط ، فجعلت أعجب من ذلك ، فقال : أعلم أنني لا أحسب هذا كرامة لي ، ولكني أعده نعمة من اللّه في حقي ، فإن امتناعي لم يكن عن شيء كرهته ، ولا ريب اطلعت عليه ، ولكن كان انقباضا ونفرة لا أعرف سببها ولا الإبانة عن معناها . ثم ختم ياقوت ترجمته برسالة أرسلها المترجم إلى صديق له تتعلق بشراء كتاب يعرف بالتذكرة لابن مسلمة في اثني عشر مجلدا لم نجد في ذكرها عظيم فائدة ، غير أنها تنبىء عن شعف صاحب الترجمة بشراء الكتب النفيسة واقتنائها كما سنتلوه عليك . وقد تأخرت وفاة صاحب الترجمة عن وفاة المترجم له وهو ياقوت عشرين سنة ، لأن وفاة ياقوت كانت سنة 626 ووفاة المترجم كانت سنة 646 كما سيأتي . وترجمة ابن شاكر في فوات الوفيات فقال : هو علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد بن موسى وزير حلب القاضي الأكرم جمال الدين أبو الحسن القفطي أحد الكتاب المشهورين . وكان أبوه القاضي الأشرف كاتبا أيضا . إلى أن قال : وكان صدرا محتشما كامل السؤدد ، جمع من الكتب مالا يوصف وقصد بها من الآفاق ، وكان لا يحب من الدنيا سواها ، ولم يكن له دار ولا زوجة ، وأوصى بكتبه للناصر صاحب حلب وكانت تساوي خمسين ألف دينار ، وله حكايات غريبة في غرامه بالكتب .