محمد راغب الطباخ الحلبي

331

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

وقرأ يوسف هذه الحكمة ببلاده فساد فيها وعانى شيئا من علوم الرياضة وأجادها وكانت حاضرة على ذهنه عند المحاضرة ، ولما ألزم اليهود والنصارى في تلك البلاد بالإسلام أو الجلاء كتم دينه وتحيل عند إمكانه من الحركة في الإنتقال إلى الإقليم المصري ، وتم له ذلك فارتحل بماله ووصل واجتمع بموسى بن ميمون القرطبي رئيس اليهود بمصر وقرأ عليه شيئا وأقام عنده مدة قريبة ، وسأله إصلاح هيئة ابن أفلح الأندلسي ، فإنها صحبته من سبتة ، فاجتمع هو وموسى على إصلاحها وتحريرها . وخرج من مصر إلى الشام ونزل حلب وأقام بها مدة وتزوج إلى رجل من يهود حلب يعرف بابن العلاء الكاثب مارذكا ، وسافر عن حلب تاجرا إلى العراق ، ودخل الهند وعاد سالما وأثري حاله ، ثم ترك السفر وأخذ في التجارة واشترى ملكا قريبا وقصده الناس للاستفادة منه ، فأقرأ جماعة من المقيمين والواردين وخدم في أطباء الخاص في الدولة الظاهرية بحلب . وكان ذكيا حاد الخاطر ، وكانت بيننا مودة طالت مدتها . وقد شكا إليّ يوما أمره وقال : لي ابنتان وأخشى عليهما من مشاركة السلطان لهما في الميراث وأود أن يكون لي ولد ذكر ، فذكرت له شيئا منقولا من أقوال بعض الحكماء في التحيل على طلب الولد الذكر عند النكاح ، فقال : أريد عمل ذلك ، وكان قد تزوج امرأة أخرى غير الأولى بحكم موت الأولى ، وبعد مدة أخرى إنها قد علقت وقال : لقد فعلت ما قلت لي ، ثم إنها كما شاء اللّه ولدت له ولدا ذكرا فجاءني ، وقد طار سرورا . بعد مدة بلغني أن أم الولد أدخلته الحمّام وأكثرت عليه الماء الحار فهلك فأدركه لذلك أمر مزعج . ولما اجتمعت به معزّيا له هوّنت عليه ما جرى وقلت له : اصبر وراجع العمل ، ففعل وعلقت فجاءته بولد وسماه عبد الباقي وعاش ، ثم إنه ترك ما قلته له فعلقت وجاءته بابنة ، فلام نفسه على ترك ما ذكرته له ، وعاود بعد مدة ففعل ذلك فجاءته بذكر فقال : لا أنكر بهذا صحة ما يقال بالتجربة ، فقد استقر هذا عندي حتى لا أنكره . وقلت له يوما : إن كان للنفس بقاء تعقل به حال الموجودات من خارج بعد الموت ، فعاهدني على أن تأتيني إن مت قبلي وآتيك إن مت قبلك ، فقال : نعم ، ووصيته أن لا يغفل ، ومات وأقام سنتين ، ثم رأيته في النوم وهو قاعد في عرصة مسجد من خارجه في حظيرة له وعليه ثياب جدد بيض من النصيفي فقلت له : يا حكيم ألست قررت معك أن تأتيني لتخبرني بما لقيت ؟ فضحك وأدار وجهه ، فأمسكته بيدي وقلت له : لابد أن تقول لي ماذا لقيت وكيف الحال بعد الموت ، فقال لي : الكلّي لحق بالكل وبقي الجزئي