محمد راغب الطباخ الحلبي
306
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
مما يبلغ أن أتلف معه نفسك ، وإنما كان مقصودي أن أدعك تعيش خائفا فقيرا ممججا « 1 » في البلاد ، فلا تظن أنك هربت مني بمكيدة صحت لك عليّ ، فاذهب إلي غير دعة اللّه . قال : وتركني القاصد وعاد ، فبقيت مبهوتا إلى أن وصلت إلى حلب . فحدثني الصاحب جمال الدين الأكرم أدام اللّه علّوه : لما ورد إلى حلب نزل في داري فأقام عندي مدة وذلك في سنة 604 ، وعرف الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين خبره فأكرمه وأجرى عليه . في كل يوم دينارا صوريا وثلاثة دنانير أخرى أجرة دار ، فكان يصل إليه في كل ثلاثة أشهر ثلاثون دينارا غير بر وألطاف ما كان يخليه منها ، وأقام عنده على قدم العطلة إلى سنة 606 كما ذكرنا ، ومات فدفن بظاهر حلب بمقام بقرب قبر أبي بكر الهروي . وله تصانيف كثيرة يقصد بها قصد التأدب وفي معرض وقائع تجري ويعرضها على الأكابر لم تكن مفيدة إفادة علمية ، وإنما كانت شبيهة بتصانيف الثعالبي وأضرابه ( سردها في المعجم جميعها وهي تزيد على عشرين مؤلفا ) ثم قال : وكان له نوادر حسنة حادة ، منها ما حدثني به الصاحب القاضي الأكرم قال : ركبنا وخرجنا يوما نسير بظاهر حلب ، فكان خروجنا من أحد أبوابها ، ودرنا سور البلد جميعه ثم دخلنا من ذلك الباب فقال : اليوم تسييرنا تدليك ، قلت : كيف ؟ قال : من برّا برّا . وكان السديد بن المنذر وهو رجل فقيه اتصل بالسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بعض الاتصال ، فجعل لنفسه بذلك سوقا واستجلب بما يمتّ به من ذلك وإن كان باطلا رزقا ، وكان أعور رديئا قليل الدين بغيضا ، ولما أحدث الملك الظاهر غازي قناة الماء بحلب وأجراها في شوارعها ودور الناس فوض إلى ابن المنذر النظر في مصالحها ورزق على ذلك رزقا حسنا نحو ثلاثمائة درهم في الشهر ، فسأل عنه الأمير فارس الدين ميمون القصري والأسعد بن مماتي حاضر ، فقال له مسرعا : هو اليوم مستخدم على قناة ، فأعجب بحسن هذه النادرة الحاضرين . وقيل للأسعد يوما : أي شيء يشبه ابن المنذر ؟ فقال : يشبه الزب ، فاستبردوا ذلك وظنوا أنه إنما ذهب إلى عورة فقط ، فقال : مالكم لا تسألونني كيف يشبهه ؟ فقالوا :
--> ( 1 ) لعل الصواب : مهججا .