محمد راغب الطباخ الحلبي

277

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

ولما بلغ شهاب الدين السهروردي ذلك وأيقن أنه يقتل وليس جهة إلى الافراج عنه اختار أنه يترك في مكان منفرد ويمنع من الطعام والشراب إلى أن يلقى اللّه تعالى ، ففعل به ذلك . وكان في أواخر سنة ست وثمانين وخمسمائة بقلعة حلب ، وكان عمره نحو ست وثلاثين سنة . قال الشيخ سديد الدين محمود بن عمر : ولما بلغ شيخنا فخر الدين المارديني قتله قال لنا : أليس كنت قلت عن هذا من قبل وكنت أخشى عليه منه . أقول ( من كلام ابن أبي أصيبعة ) : ويحكى عن شهاب الدين السهروردي أنه كان يعرف علم السيميا وله نوادر شوهدت عنه من هذا الفن ، ومن ذلك حدثني الحكيم إبراهيم ابن أبي الفضل بن صدقة أنه اجتمع به وشاهد منه ظاهر باب الفرج وهم يتمشون إلى ناحية الميدان الكبير ومعه جماعة من التلاميذ وغيرهم ، وجرى ذكر هذا الفن وبدائعه وما يعرف الشيخ منه وهو يسمع ، فمشى قليلا وقال : ما أحسن دمشق وهذه المواضع ! قال : فنظرنا وإذا من ناحية الشرق جواسق عالية متدانية بعضها إلى بعض مبيضة وهي من أحسن ما يكون بناية وزخرفة ، وبها طاقات كبار فيها نساء ما يكون أحسن منهن قط ، وأصوات مغان وأشجار متعلقة بعضها مع بعض ، وأنهر جارية كبار لم نكن نعرف ذلك من قبل . فبقينا نتعجب من ذلك وتستحسنه الجماعة وانذهلوا لما رأوا . قال الحكيم إبراهيم : فبقينا كذلك ساعة . ثم غاب عنا وعدنا إلى رؤية ما كنا نعرفه من طول الزمان ، قال لي : إلا أني عند رؤية تلك الحالة الأولى العجيبة بقيت أحس في نفسي كأنني في سنة خفية ، ولم يكن إدراكي كالحالة التي أتحققها مني . وحدثني بعض فقهاء العجم قال : كنا مع الشيخ شهاب الدين عند القابون ونحن مسافرون عن دمشق ، فلقينا قطيع غنم مع تركمان فقلنا للشيخ : يا مولانا ، نريد من هذه الغنم رأسا نأكله ، فقال : معي عشرة دراهم خذوها واشتروا بها رأس غنم . وكان ثم تركماني فاشترينا منه رأسا بها ومشينا ، فلحقنا رفيق له وقال : ردوا الرأس وخذوا أصغر منه ، فإن هذا ما عرف يبيعكم ، يسوى هذا الرأس البختي الذي معكم أكثر من الذي قبض منكم . وتقاولنا نحن وإياه . ولما عرف الشيخ ذلك قال لنا : خذوا الرأس وامشوا وأنا أقف معه وأرضيه ، فتقدمنا وبقي الشيخ يتحدث معه ويمنيه ، فلما أبعدنا قليلا تركه