محمد راغب الطباخ الحلبي

200

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

منقذ ، لأنه كان نازلا مجاور القلعة بقرب الجسر المعروف اليوم بجسر بني منقذ ، وكانت القلعة بيد الروم ، فحدثته نفسه بأخذها ، فنازلها وتسلمها بالأمان في رجب سنة أربع وسبعين وأربعمائة ، ولم تزل في يده ويد أولاده إلى أن جاءت الزلزلة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة فهدمتها وقتلت كل من فيها من بني منقذ وغيرهم تحت الهدم وشغرت ، فجاء نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام في بقية السنة وأخذها . وكان سديد الملك المذكور مقصودا وخرج من بيته جماعة نجباء أمراء فضلاء كرماء . ومدحه جماعة من الشعراء كابن الخياط والخفاجي وغيرهما ، وكان له شعر جيد أيضا ، فمنه قوله وقد غضب على مملوك له وضربه : أسطو عليه وقلبي لو تمكن من * كفيّ غلهما غيظا إلى عنقي وأستعير إذا عاقبته حنقا * وأين ذل الهوى من عزة الحنق وكان موصوفا بقوة الفطنة . وينقل عنه حكاية عجيبة وهي أنه كان يتردد إلى حلب قبل تملكه شيزر ، وصاحب حلب يومئذ تاج الملوك محمود بن صالح بن مرداس ، فجرى أمر خاف سديد الملك المذكور على نفسه منه ، فخرج من حلب إلى طرابلس الشام وصاحبها يومئذ جلال الملك بن عمار ، فأقام عنده ، فتقدم محمود بن صالح إلى كاتبه أبي نصر محمد ابن الحسين بن علي بن النحاس الحلبي أن يكتب إلى سديد الملك كتابا يتشوقه ويستعطفه ويستدعيه إليه ، وفهم الكاتب أنه يقصد له شرا ، وكان صديقا لسديد الملك ، فكتب الكتاب كما أمر إلى أن بلغ إلى « إن شاء اللّه تعالى » فشدد النون وفتحها ، فلما وصل الكتاب إلى سديد الملك عرضه على ابن عمار صاحب طرابلس ومن في مجلسه من خواصه فاستحسنوا عبارة الكتاب واستعظوا ما فيه من رغبة محمود فيه وإيثاره لقربه ، فقال سديد الملك : إني أرى في الكتاب ما لا ترون ، ثم أجابه عن الكتاب بما اقتضاه الحال وكتب في جملة الكتاب : أنا الخادم المقر بالإنعام وكسر الهمزة من أنا وشدد النون ، فلما وصل الكتاب إلى محمود ووقف عليه الكاتب سر بما فيه وقال لأصدقائه : قد علمت أن الذي كتبته لا يخفى على سديد الملك ، وقد أجاب بما طيب نفسي . وكان الكاتب قد قصد قول اللّه تعالى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فأجاب سديد الملك بقوله تعالى : إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فكانت هذه معدودة من تيقظه وفهمه . هكذا ساق هذه الحكاية أسامة في مجموعه إلى الرشيد بن الزبير في ترجمة ابن النحاس . وكانت وفاته في سنة خمس وسبعين