محمد راغب الطباخ الحلبي

161

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

ومن هؤلاء الناس أبو العلاء المعري ، فإنه لذهنه المتوقد وذكائه المفرط سار في ميدان الدعوى وأبعد في الجولان فيه ، حتى أدّاه ذلك أن يقول بيته المشهور : وإني وإن كنت الأخير زمانه * لآت بما لم تستطعه الأوائل وما زال يجدّ في ذلك إلى أن وقع في وادي الحيرة وهوى في هوة الشكوك والأوهام ، فكان يذهب تارة إلى التسليم بالنبوات واعتقاد الحشر والمعاد وأن هناك جنة ونارا وثوابا وعقابا ، وتارة يذهب إلى نفي ذلك وإنكاره . ظل على ذلك إلى أن تقدم سنه ونضج علمه ، ورأى بعين البصيرة أن ما ظهر له من الحقائق الكونية بالنسبة إلى ما بقي تحت طي الخفاء ما هو إلا كقطرة من بحر ، فهناك استبان له عجزه وتجلى له قصور المدارك الإنسانية وأنها مهما اتسعت فإن لها حدا لا تتعداه ، وعلم أن وراء الأكمة ما وراءها ، وتحقق معنى قوله تعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ودعاه ذلك أن يقول : ماذا تريدون لا مال تيسّر لي * فيستماح ولا علم فيقتبس أتسألون جهولا أن يفيدكم * وتحلبون سفيّا ضرعها يبس وعند ذلك تاب إلى طريق الرشد وعاد إلى منهاج الحق ولازم الذكر والعبادة مع التقشف والزهد في الدنيا والتباعد عن أهلها ، إلى أن أتاه اليوم الموعود والأجل المحتوم . ونحن نذكر لك من نظمه مما ذكره في « لزوم ما لا يلزم » ما تستدل به على صحة إيمانه ودينه ويجعلك مطمئن القلب على حسن عقيدته ويقينه ، كقوله : أرائيك فليغفر لي اللّه زلتي * بذاك ودين العالمين رئاء إذا قومنا لم يعبدوا اللّه وحده * بنصح فإنّا منهم برآء وقوله : للمليك المذكرات عبيد * وكذاك المؤنثات إماء فالهلال المنيف والبدر والفر * قد والصبح والثرى والماء والثريا والشمس والنار والنثرة والأرض والضحى والسماء هذه كلها لربك ما عابك في قول ذلك الحكماء