محمد راغب الطباخ الحلبي

137

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

فلما طرحت على الشيخ فكر فيها ساعة ثم قال : غريبة واللّه ! هذا يصف راعيا بصلابة عصاه أنه يضرب الإبل ليتخير لها المرعى ، فقد دمّاها : أي يجعلها مثل الدمى ، إذا أرادت رشدا : وهو حبّ الرشاد ، وهو أغواها : رعاها في حبّ ، يود أن اللّه قد أفناها : أي أطعمها حبّ الفنا وهو عنب الثعلب . فمضى تلميذه فعرّف الرجل العراقي فلم يبت الرجل في المعرة « 1 » . فصل ( في ذكر حرمته عند الملوك والخلفاء والأمراء والوزراء ) وما زالت حرمة أبي العلاء في علاء وبحر فضله موردا للوزراء والأمراء ، وما علمت أن وزيرا مذكورا وفاضلا مشهورا مرّ بمعرة النعمان في ذلك العصر والزمان إلا وقصده واستفاد منه ، أو طلب شيئا من تصنيفه ، أو كتب عنه . وسيأتي في أثناء فصول هذا التصنيف ما يدل على علو مرتبته وقدره المنيف . وقد كان المستنصر المتولي على مصر أحد العبيديين الذين ادعوا الخلافة بذل لأبي العلاء ما ببيت المال بمعرة النعمان من الحلال ، فلم يقبل منه شيئا ، وسنذكر ذلك في موضعه . وكذلك داعي دعاتهم بمصر أبو نصر هبة اللّه بن موسى المؤيد في الدين حين بلغه أن الذي يدخل لأبي العلاء في السنة من ملكه نيف وعشرون دينارا ، كتب إلى تاج الأمراء ثمال ابن صالح ، وكان إذ ذاك نايبا عن العبيديين بحلب وبمعرة النعمان بأن يجري له ما تدعو إليه حاجته بجميع مهامه وأسبابه ، وما يحتاج إليه مما هو بلغة له من ألذ الطعام ، وأن يضاعف حرمته ويرفع منزلته عند الخاص والعام ، فامتنع من قبول ذلك ، وسنذكره أيضا في موضعه عند الحاجة إلى ذكره .

--> ( 1 ) ورد البيتان الأول والثاني في « كتاب العصا » لأسامة بن منقذ في سلسلة نوادر المخطوطات ، وشرحها ثمة : قوله « بضربة » أي بسيرة ، قال اللّه تبارك وتعالى ( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ) : سافرتم . وقوله « دماها » أي تركها كالدمى ، واحدتها دمية وهي الصور في المحاريب . وقوله « أغواها » أي رعاها الغواء ، وهو نبت تسمن عليه الإبل .