محمد راغب الطباخ الحلبي
59
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
قال في المختار من الكواكب المضية : واختلف في تسميته بالشهيد ، قال بعضهم : أحب مملوكا وعف فأكمده الحب فقتله . وقال بعضهم : إنه مرض وكان مرضه علة الخوانيق فأشار عليه بعض الأطباء بالفصد فامتنع ، وكان مهيبا فما روجع ومات من هذه العلة بقلعة دمشق ، فإن كان مقصده في ترك الفصد عملا بقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « سبعون ألفا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب وهم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون الحديث » فقد تصدق عليه هذه التسمية وما أظنها إلا غلبت عليه كقول الناس في سلاطينهم فلان الشهيد وإن كان قد مات على فراشه تفاؤلا في حقهم . فإن قلت : كيف بقي عليه هذا ولم يبق على غيره قلت : لأنه ليس لغيره من الفتوحات كفتوحاته وغزواته وورعه وأوقافه وزهده وجميل أوصافه المحمودة ، وطالما ألقى نفسه على العدو وجاهد في اللّه حق جهاده طلبا للشهادة اه . أقول : السبب الأول يستبعده العقل جدا عن أمثال نور الدين ، فإن التفكر في الجهاد وتجهيز الجيوش وعمارة الأسوار والقلاع وغير ذلك لم يدع في فؤاده مكانا خاليا ليسلك إليه الحب ويتمكن منه تمكنا يقضي به على حياته ، والذي يترجح عندي في سبب تسميته بالشهيد أن والده زنكي كان يدعى الشهيد لأنه قتل على قلعة جعبر كما تقدم فصار يقال لولده محمود نور الدين بن الشهيد ، ثم لكثرة الاستعمال حذفت كلمة ابن اختصارا . قال ابن الأثير : وقد طالعت سير الملوك المتقدمين فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته ولا أكثر تحريا منه للعدل ، وقد أتينا على كثير من ذلك في كتاب الباهر من أخبار دولتهم ، ولنذكر ههنا نبذة لعل يقف عليها من له حكم فيقتدي به ، فمن ذلك زهده وعبادته وعلمه ، فإنه كان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف إلا في الذي يخصه من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة من الأموال المرصدة لمصالح المسلمين ، ولقد شكت إليه زوجته من الضائقة فأعطاها ثلاث دكاكين في حمص كانت له يحصل له منها في السنة نحو العشرين دينارا ، فلما استقلتها قال : ليس لي إلا هذا وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين لا أخونهم فيه ولا أخوض نار جهنم لأجلك . وكان يصلي كثيرا بالليل وله فيه أوراد حسنة ، وكان كما قيل : جميع الشجاعة والخشوع لربه * ما أحسن المحراب في المحراب