محمد راغب الطباخ الحلبي
50
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
ويحفظها ، وسار إلى حمص ففعل مثل ذلك ثم إلى حماة ثم إلى بعرين ، وكان شديد الحذر على سائر البلاد من الفرنج ، ثم أتى مدينة حلب فرأى فيها من آثار الزلزلة ما ليس بغيرها من البلاد ، فإنها كانت قد أتت عليها وبلغ الرعب ممن نجا كل مبلغ ، وكانوا لا يقدرون يأوون مساكنهم خوفا من الزلزلة ، فأقام بظاهرها وباشر عمارتها بنفسه ، فلم يزل كذلك حتى أحكم أسوار البلاد وجوامعها . وأما بلاد الفرنج فإن الزلازل أيضا عملت بها كذلك فاشتغلوا بعمارة بلادهم خوفا من نور الدين عليها فاشتغل كل واحد منهم بعمارة بلاده خوفا من الآخر اه . قال في الروضتين : قال العماد : في هذه السنة عند وصولنا إلى حلب في الخدمة النورية كنت مقرظا للفضائل الشهرزورية ، وكان الحاكم بها القاضي محيي الدين أبا حامد محمد بن قاضي قضاة الشام كمال الدين أبي الفضل محمد بن عبد اللّه بن القاسم الشهرزوري ، وكان كمال الدين قد علق به تنفيذ الأحكام وإليه أمور الديوان ، وهو ذو المكانة والإمكان في بسط العدل والإحسان ، ومحيي الدين ولده ينوب عنه في القضاء بحلب وبلدانها وينظر أيضا في أمور ديوانها ، وبحماة وحمص من بني الشهرزوري قاضيان وهما حاكمان متحكمان ، وكان هذا محيي الدين من أهل الفضل وله نظم ونثر وخطب وشعر ، وكانت معرفتي به في أيام التفقه ببغداد في المدرسة النظامية منذ سنة خمس وثلاثين والمدرس شيخنا معين الدين سعيد بن الرزاز ، وكان مذهب الشافعي رضي اللّه تعالى عنه بعلمه معلما مذهب الطراز ، وكانت الزلزلة بحلب قد خربت دار محيي الدين وسلبت قراره وغلبت اصطباره وحلبت أفكاره ، فكتب إليه قصيدة مطلعها : لو كان من شكوى الصبابة مشكيا * لعدا على عدوى الصبابة معديا مات الرجاء فإن أردت حياته * ونشوره فارج الإمام المحييا أقضى القضاة محمد بن محمد * من لست منه للفضائل محصيا قاض به قضت المظالم نحبها * وغدا على آثارهن معفيا يا كاشفا للحق في أيامه * غررا يدوم لها الزمان مغطيا لم تنعش الشهباء عند عتارها * لو لم تجدك لطود حلمك مرسيا رجفت لسطوتك التي أرسلتها * نحو الطغاة لحد عزمك ممهيا وتظلمت من شرهم فتململت * عجل إجازتها عليها مبقيا