محمد راغب الطباخ الحلبي
407
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
منها قبة إقامة لحرمته على جري عادته ففهموا عنه غير ما أراد ، وإنه قد أطلقكم فامضوا حيث شئتم . وركب تيمورلنك من ساعته وتوجّه نحو دمشق فعدنا إلى القلعة ورأينا المصلحة في الإقامة بها ، وأخذ الأمير موسى في الإحسان إلينا وقبول شفاعتنا وتفقد أحوالنا مدة إقامته بحلب وقلعتها ، وتأتينا الأخبار بأن سلطان المسلمين الملك الناصر فرج قد نزل إلى دمشق وأنه كسر تيمور لنك ، ومرة نسمع بالعكس إلى أن انجلت القضية عن توجّه السلطان إلى مصر بعد أن قاتل مع تيمور لنك قتالا عظيما أشرف منه تيمور لنك على الكسر والهزيمة « 1 » ، وإنما حصل من بعض أمرائه خيانة وكان ذلك سبب توجهه إلى مصر أخذا بالحزم . ودخل تمر لنك إلى دمشق ونهبها وحرقها وفعل فيها فوق ما فعل بحلب ، ولم يدخل طرابلس بل أحضر له منها مال ، ولا جاوز فلسطين وعاد نحو حلب راجعا طالبا بلاده . ولما كان سابع عشر شهر شعبان من السنة المذكورة وصل تيمور لنك عائدا من الشام إلى الجبّول شرقي حلب ، ولم يدخل حلب بل أمر المقيمين بها من جهته بتخريب القلعة وإحراق المدينة ، ففعلوا ونزلوا من القلعة . وطلبني الأمير السيد عز الدين وكان من أكبر أمرائه وقال : إن الأمير تيمورقان يسلم عليك ويقول : إن عنده مثلك كثيرا ، وهذه البلاد باب مكة وليس بها عالم ، فلتكن أنت بها ، وقد رسم بإطلاقك ومن معك من القضاة فاطلب من شئت وأكثر لأروح معكم إلى مشهد الحسين وأقيم عندكم حتى لا يبقى من عساكرنا أحد . وكان القاضي شرف الدين موسى لا يفارقني ، وطلبنا من تأخر من القضاة بالقلعة واجتمع منا نحو ألفي مسلم وتوجهنا صحبة المشار إليه لمشهد الحسين وأقمنا به ننظر إلى حلب والنار تضرم في أرجائها ، وبعد ثلاثة أيام لم يبق من التتار أحد ، ونزلنا إلى بيوتنا بالمدينة فاستوحشنا منها ولم يقدر أحد منا على الإقامة ببيته من النتن والوحشة ولا يمكن السلوك في الأزقة من ذلك ، كما قال : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر وكانت نواب الشام معه مأسورين فانفلتوا منه أولا بأول ، وكان السيفي دمرداش الخاصكي حين انفلت منه من حماة حال توجهه إلى نحو دمشق توجه نحو السلطان واتفق
--> ( 1 ) من قوله وإنما حصل إلى قوله طالبا بلاده سقط من النسخة المطبوعة على هامش الكامل وهي موجودة في نسخة خطية .