محمد راغب الطباخ الحلبي
405
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
زماننا وعالمنا قد اختل عقلي « 1 » وهو معذور ، فإن هذا سؤال لا يمكن الجواب عنه في هذا المقام ، ووقع في نفس عبد الجبار مثل ذلك ، وألقى تيمور لنك سمعه وبصره إلى ، وقال لي عبد الجبار يسخر من كلامي : كيف سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وكيف أجاب ؟ قلت : ( جاء أعرابي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقال : يا رسول اللّه إن الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل ليعرف مكانه ، فأيّنا في سبيل اللّه ؟ فقال عليه السلام : من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه ) ومن قاتل منا ومنكم لإعلاء كلمة اللّه فهو الشهيد . فقال تيمور لنك : خوب ، وقال عبد الجبار : ما أحسن ما قلت ، وانفتح باب المؤانسة . وقال تيمور لنك : إني رجل نصف آدمي ، وقد أخذت بلاد كذا وكذا ، وعدّد سائر ممالك العجم والعراق والهند وسائر بلاد التتر ، فقلت : اجعل شكر هذه النعمة عفوك عن هذه الأمة ولا تقتل أحدا ، فقال : واللّه إني لم أقتل أحدا قصدا وإنما أنتم قتلتم أنفسكم في الأبواب ، وو اللّه لا أقتل منكم أحدا وأنتم آمنون على أنفسكم وأموالكم . وتكررت الأسئلة منه والأجوبة منّا وطمع كل أحد من الفقهاء والحاضرين وجعل يبادر إلى الجواب ويظنه أنه في المدرسة والقاضي شرف الدين ينهاهم ويقول لهم : اسكتوا ليجاوب هذا الرجل فإنه يعرف ما يقول : وآخر سؤال سأل عنه : ما تقولون في علي ومعاوية ويزيد ؟ فأسرّ إلي القاضي شرف الدين وكان إلى جانبي أن اعرف كيف تجاوبه فإنه شيعي ، فلم أفرغ من سماع كلامه إلا وقد قال القاضي علم الدين ابن القفصي الصيفي المالكي كلاما معناه أن الكل مجتهدون ، فغضب تيمور لنك لذلك غضبا شديدا وقال : علي على الحق ومعاوية ظالم ويزيد فاسق ، وأنتم حلبيون تبع لأهل دمشق وهم يزيدون قتلوا الحسين ، فأخذت في ملاطفته بالاعتذار عن المالكي بأنه أجاب بشيء وجده في كتاب لا يعرف معناه ، فعاد إلى دون ما كان عليه من البسط ، وأخذ عبد الجبار يسأل مني ومن شرف الدين فقال عني : هذا عالم مليح ، وعن شرف الدين هذا رجل فصيح ، فسألني تيمور لنك عن عمري فقلت : مولدي سنة تسع وأربعين وسبعمائة وقد بلغت الآن أربعا وخمسين سنة ، وقال للقاضي شرف الدين : كم عمرك ؟ قال : أنا أكبر منه بسنة ، فقال تيمور لنك : أنتم في عمر أولادي ، أنا عمري اليوم خمسا وسبعين سنة . وحضرت صلاة المغرب وأقيمت الصلاة وأمّنا عبد الجبار وصلى تيمور لنك إلى جانبي قائما يركع ويسجد ، ثم تفرقنا .
--> ( 1 ) - في الأصل : عقله ، وفي روض المناظر : عقلي .