محمد راغب الطباخ الحلبي
400
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
الأشرف الناصري محمد ابن المرحوم الشرفي موسى بن شهري سبط مولانا السلطان المشار إليه في أول الكتاب ، وكان قد بدع بجماعة تمرلنك وطواشيه مدة إقامته على بهسنى وقتل منهم جماعة وأرسل رؤوسهم إلى حلب وكسر قوما من الذين جهزهم إليه أقبح كسرة ، حتى رمى غالب جماعته نفوسهم في الفرات . وجهز تمرلنك كتابا إلى المشار إليه يقول فيه : إنني خرجت من أقصى بلاد سمرقند ولم يقف أحد أمامي وسائر ملوك البلاد حضروا إلي وأنت سلطت على جماعتي من يشوش عليهم ويقتل من يظفر بهم ، والآن قد مشينا عليك بعساكرنا ، فإن أشفقت على نفسك ورعيتك فاحضر إلينا لترى من الرحمة والشفقة ما لا مزيد عليه ، وإلا نزلنا عليك وخربنا بلدك ، وقد قال اللّه تعالى إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ فاستعد لما يحيط بك إن أبيت الحضور . فأمسك المشار إليه الرسول وحبسه ولم يلتفت إلى كتاب تمرلنك ، فمشى عليه أوائل عسكره فبرز إليه المشار إليه وقابلهم وكسرهم . وفي اليوم الثاني حضر تمرلنك ونزل على قلعة المسلمين فبرز إليه المشار إليه وقاتله قتالا شديدا وكانت وقعة عظيمة ، ولما رأى تمرلنك شدة حزمه رجع عن محاربته وأخذ في مخادعته وملاطفته وطلب الصلح وأن يرسل إليه خيلا ومالا لأجل حرمته ، فلم ينخدع معه ، وتنازل معه إلى أن طلب منه حاميا فلم يعطه وعاد خائبا ، وأخذ المشار إليه في أواخره نهبا وقتلا وأسرا ، كل ذلك وباب قلعته مفتوح ولم يغلقه يوما ، وأنشد فيه لسان الحال : هذا الأمير الذي صحت مناقبه * ليث الوغى عمت الدنيا مفاخره ولّى تمرلنك مكسورا أوائله * منه فرارا « 1 » ومذعورا أواخره وكان حصول تلك السعادة للمشار إليه دون غيره من الملوك وأصحاب الحصون لما كان فيه من العلم والديانة والإخلاص والصيانة ولكونه من السلالة الطاهرة العمرية .
--> ( 1 ) - في الأصل : مرارا ، ولعل ما أثبتناه هو الصواب .