محمد راغب الطباخ الحلبي
396
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
به السلطان حسين ملك هراة فأمر بضربه ثم بصلبه ، فضرب ثم تشفع في ترك صلبه الأمير غياث الدين ابن السلطان حسين المذكور ، فقال له أبو حسين : هذا أصل مادة الفساد ، لئن بقي ليهلكن العباد والبلاد ، فقال له ابنه غياث الدين : وما عسى أن يصدر من نصف آدمي وقد أصيب بالدواهي ، فما زال يراجع أباه حتى قبل شفاعته ووهبه له وعفا عنه . ثم إن غياث الدين اصطحبه معه وقرّبه وأدناه وجعله من خواصه وزوّجه أخته ورقّاه حتى صار من وزرائه ، فلما صار الملك لغياث الدين بعد موت أبيه حسين ازدادت منزلة تيمور وصار مقدما على كثير من الجند فطغى وبغى على مولاه غياث الدين . ومبدأ ذلك أن زوجة تيمور وهي أخت السلطان غياث الدين وقع بينها وبين تيمور شيء أغضبه فقتلها ولم يراع حرمة مولاه ، ثم لم يسعه الأمر إلا بالخروج على السلطان غياث الدين وخلع الطاعة واقتعد غارب التمرد والطغيان ، فتملك بما كان تحت يده من الجند كثيرا من الممالك حتى استصفى ممالك ما وراء النهر وذلت لأوامره ملوك الدهر ، وشرع في استخلاص بقية البلاد واسترقاق العباد ، فكان يجري في جسد العالم مجرى الشيطان من بني آدم ويدب في البلاد دبيب السم في الأجساد ، ثم أرسل إلى مخدومه سلطان هراة الملك غياث الدين يطلب منه الدخول في طاعته ليجازيه على إحسانه بإساءته فيتحقق بذلك قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم « كتب اللّه على كل نفس خبيثة أن لا تخرج من الدنيا حتى تسيء إلى من أحسن إليها » . فأرسل غياث الدين يقول له : أما كنت خادما لي وأحسنت إليك وأسبلت ذيل نعمتي عليك ، وذلك بعد أن نجّيتك من الضرب والصلب ، فإن لم تكن إنسانا يعرف الإحسان فكن كالكلب . فلم يصغ لذلك بل عبر جيحون بمن معه من الجند وتوجّه إلى محاصرة مولاه غياث الدين بهراة ، ولم يكن لغياث الدين قوة إلى قتاله والوقوف بين يديه فحصّن نفسه في القلعة فحاصره وضيّق عليه ثم أمّنه وقبض عليه وحبسه ومنع عنه الطعام والشراب حتى مات جوعا وعطشا ، ثم عاد إلى خراسان فانتقم أولا من أهل سجستان فوضع السيف فيهم فأفناهم عن آخرهم ، ثم خرب المدينة ورحل عنها ، ولم يزل هذا دأبه حتى تخلص له جميع ممالك العجم ودانت له ملوكهم والأمم . وقدمنا في حوادث سنة 795 استيلاءه على بغداد وانهزام صاحبها السلطان أحمد بن أويس ومجيئه إلى حلب ثم توجهه منها إلى القاهرة ، وخروج السلطان برقوق بالعساكر المصرية إلى حلب واستعداده تمام الاستعداد لملاقاته ، فلما بلغ ذلك تيمور رجع إلى بلاده وكانت وفاة الملك الظاهر برقوق سنة 801 .