محمد راغب الطباخ الحلبي

354

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

إلى نيابة دمشق عوضا عن أيتميش وتوجّه في حركة بيبغا أروس إلى ملاقاة العساكر المصرية ، وعاد مع طاز وسنجر إلى حلب وراء بيبغا أروس فاستمر في نيابة حلب ثانيا وحصر بيبغا أروس وحبسه بالقلعة وكان آخر العهد به ، وحصر أحمد الساقي نائب حماة وبكلمش نائب طرابلس وقراجا بن دلغادر ، وعمر مارستانه بحلب داخل باب قنسرين ووقف عليه قرية بنّش العظمى من الغربيات ، ثم طلب إلى مصر أميرا مقدما ، ثم جهز إلى الإسكندرية مقبوضا عليه ، ثم أفرج عنه وتوجه إلى القدس الشريف وكانت به وفاته رحمه اللّه اه . أقول : تدخل إلى هذا البيمارستان فتجد عن يسارك حجرة هي الآن خربة ، ثم تدخل الباب الثاني فتجد عن يمينك حجرة أخرى ، كانت هاتان الحجرتان لقعود الأطباء ووضع ما يحتاجون إليه من الأدوية والأشربة ، ثم تجد صحنا واسعا يحيط بطرفه القبلي والشمالي رواقان ضيقان مرفوعان على أعمدة عظيمة ووراءهما حجر صغيرة هي محل حبس المجانين فيها ، ثم تدخل من الجهة الشمالية في دهليز ، وبعد خطوات تجد دهليزين الذي عن اليمين يأخذك إلى باب آخر للمارستان تخرج منه إلى بوابة صغيرة وهو مغلق الآن ، والدهليز الذي عن اليسار يأخذك إلى صحنين حولهما حجر صغيرة وهي معدة أيضا لحبس المجانين ، وهناك تأخذك الخشية ويداخل قلبك الروع للظلمة المخيمة على هذه الأمكنة ولا منافذ لها وروائح العفونة والأقذار منتشرة فيها ، وإنا لنعجب كيف كانوا يحبسون المجانين فيها ، ولو قعد العاقل هناك بضع ساعات لذهب منه عقله وصار في عداد المجانين . وقد بلغنا أنه كان في أطراف الصحن الخارجي وعلى أطراف الحوض الذي في وسطه توضع أنواع الرياحين ليناظرها المجانين ، وكانوا يأتون بآلات الطرب وبالمغنين فيداوون المجانين بها أيضا . وكان أمره جاريا على الانتظام إلى أواخر القرن العاشر ومن ذلك الحين أهمل أمره وزالت تلك الأوضاع منه . وكان بلاط الصحن متوهنا جدا فاهتم جميل باشا سنة 1302 في تبليطه وتجديد حوضه وترميمه داخلا وخارجا ، وكان يسكن في إيوانه الغربي رجل يقال له أبو حيدر هو وعائلته فكانوا يحافظون هؤلاء المجانين ويطعمونهم ويسقونهم ويرفعون الأقذار من عندهم ، ومنذ نحو عشر سنوات أو أزيد بقليل أخذ من كان فيه من المجانين وكانوا قدر عشرين