محمد راغب الطباخ الحلبي
265
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
فشقوها وساقت إلى الميمنة ، فلما رأى السلطان ذلك أردف المسلمين بنفسه ومن معه ، ثم لاحت منه التفاتة فرأى الميسرة قد كادت تتحطم فأمر جماعة من الأمراء بإردافها ، ثم حمل بالعسكر جميعه حملة واحدة على التتار فترجلوا إلى الأرض عن آخرهم وقاتلوا المسلمين قتالا شديدا وصبر المسلمون صبرا عظيما ، فأنزل اللّه نصره على المسلمين فأحاطت بالتتار العساكر من كل جانب وقتلوا منهم خلقا كثيرا وقتل مقدمهم تناون وغالب كبرائهم وأسر منهم جماعة كثيرة صاروا أمراء ، وكان من جملة المأسورين في هذه الوقعة سيف الدين قبجق وسيف الدين أرسلان . وقتل من المسلمين أيضا جماعة فكان في جملة من قتل من سادات المسلمين الأمير الكبير ضياء الدين ابن الخطير وسيف الدين قيماز وسيف الدين بنجو الجاشنكير وعز الدين أيبك الثقفي . وهرب البرواناه ( من أمراء الروم الذين كانوا مع التتار ) فنجا بنفسه ودخل قيسارية في بكرة الأحد ثاني عشر ذي القعدة ، وأعلم أمراء الروم وملكهم بكسرة التتر على البلستين وأشار عليهم بالهزيمة فانهزموا منها وأخلوها . وأما الملك الظاهر فإنه بعد فراغه من هذه الوقعة سار إلى قيسارية واستولى عليها ، وكان الحاكم بالروم يومئذ معين الدين سليمان البرواناه وكان يكاتب الملك الظاهر في الباطن ، وكان يظن الملك الظاهر أنه إذا وصل إلى قيسارية يصل إليه البرواناه على ما كان اتفق معه في الباطن ، فلم يحضر البرواناه لما أراده اللّه من هلاكه على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى . ودخل الملك الظاهر قيسارية سابع عشر ذي القعدة بعد أن حاصر أهلها ، وأرسلوا إليه يطلبون الأمان فأرسل لهم الأمان على يد الأمير بيسري فسلموا المدينة ، وكان دخوله إلى المدينة يوما مشهودا ، فنزل بدار السلطنة وصلى بها الجمعة وخطب له بها وأقام عليها سبعة أيام ، ثم رحل عن قيسارية في الثاني والعشرين من ذي القعدة . وحصل للعسكر شدة عظيمة من نفاد القوت والعلف وعدمت غالب خيولهم ، ووصلوا إلى عمق حارم وأقاموا به شهرا ، ثم رحلوا وتوجهوا إلى دمشق وسارت بذلك البشائر إلى البلدان ففرح المؤمنون يومئذ بنصر اللّه . ولما بلغ خبر هذه الوقعة أبغا بن هولاكو ساق في جموع المغول حتى وصل إلى البلستين وشاهد مكان المعركة وشاهد عسكره صرعى ولم يشاهد أحدا من عسكر الروم مقتولا ، فغاظه ذلك وأعظمه وحنق على البرواناه إذ لم يعلمه بجلية الحال ، وكان يظن أن أمر الظاهر دون هذا كله ، واشتد غضبه على أهل قيسارية وأهل تلك الناحية فقتل منهم قريبا