محمد راغب الطباخ الحلبي
251
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
وعظم شأنه جدا ، ثم دخل بعساكره إلى الديار المصرية سنة ثمان وأربعين فكسر عساكرها وخطب له بمصر وقلعة الجبل ، وكاد يملك الإقليم ويستولي على الممالك الصلاحية كلها لولا ما قدره اللّه من ظهور طائفة من عسكر مصر وانهزامه إلى الشام ومقتل مدبر دولته الأمير شمس الدين لولو . وأقام الملك الناصر بدمشق عشر سنين حاكما على الشام والشرق إلى أن قدر اللّه تعالى ما قدره من استيلاء التتر على البلاد وذهابه إليهم ومقتله رحمه اللّه . ولم يكن لأحد من الملوك قبله مثل ما كان له من التجمل بكثرة العظام وغيره ، فإنه كان يذبح في مطبخه كل يوم أربعمائة رأس من الغنم ، وكان نفقة مطبخه في كل يوم عشرين ألف درهم . وكان الملك الناصر رحمه اللّه حليما إلى الغاية عظيم العفو عن الزلّات ، لا يرى المؤاخذة والانتقام ، بل سجيته الصفح والتجاوز . اعترضه شخص يوما بورقة فأمر بأخذها منه وقرأها فوجد فيها الوقيعة فيه وذمه ، فقال لبعض غلمانه : قل له يخرج من دمشق إلى حيث شاء فأنا ما أوذيه ولا أقابله على فعله . وكان رحمه اللّه حسن المباسطة مع جلسائه ، وكان في خدمته جماعة كثيرة من الفضلاء والعلماء والأدباء والشعراء وغيرهم ولهم عليه الرواتب السنية . وكان حسن العقيدة والظن بالصالحين يكرمهم ويبرهم ويجري عليهم الرواتب اه باختصار . وقال أبو الفداء أيضا في ترجمته : كان حليما وتجاوز به الحلم إلى حد أضر بالمملكة ، وانقطعت الطرق في أيامه وبقي لا يقدر المسافر على السفر من دمشق إلى حماة وغيرها إلا برفقة من العسكر ، وكثر طمع العرب والتركمان في أيامه ، وكثرت الحرامية وكانوا يكبسون الدور ، ومع ذلك إذا حضر القاتل إلى بين يدي الملك الناصر المذكور يقول : الحي من الميت أفضل ويطلقه ، فأدى ذلك إلى انقطاع الطرقات وانتشار الحرامية والمفسدين . وكان على ذهن الناصر المذكور شيء كثير من الأدب والشعر ، ويروى له أشعار كثيرة منها : فو اللّه لو قطّعت قلبي تأسفا * وجرعتني كاسات دمعي دما صرفا