محمد راغب الطباخ الحلبي
199
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
وقوة نفس وعزمة ، وثبت في مواضع لم يثبت فيها غيره على ما تضمنه تواريخ العماد الأصفهاني وبهاء الدين بن شداد وغيرهما ، وشهرة ذلك تغني عن الإطالة فيه . ولو لم يكن إلا وقعة حطين لكفته فإنه وقف هو وتقي الدين صاحب حماة وانكسر العسكر بأسره ، ثم لما سمعوا بوقوفهما تراجعوا حتى كانت النصرة للمسلمين وفتح اللّه سبحانه عليهم . ثم لما كان السلطان صلاح الدين منازلا عكا بعد استيلاء الفرنج عليها وردت عليه ملوك الشرق تنجده وتخدمه ، وكان في جملتهم زين الدين يوسف أخو مظفر الدين وهو يومئذ صاحب إربل ، فأقام قليلا ثم مرض وتوفي سنة ست وثمانين وخمسمائة بالناصرة ، فلما توفي التمس مظفر الدين من السلطان أن ينزل عن حران والرها وسميساط ويعوضه إربل ، فأجابه إلى ذلك وضم إليه شهرزور فتوجه إليها في هذه السنة . هذه خلاصة أمره . سيرته وآثاره : ( اقرأ وتأمل ) قال : وأما سيرته فلقد كان له في فعل الخيرات غرائب لم يسمع أن أحدا فعل في ذلك ما فعله . لم يكن في الدنيا شيء أحب إليه من الصدقة ، كان له كل يوم قناطير مقنطرة من الخبز يفرقها على المحاويج في عدة مواضع من البلد يجتمع في كل يوم خلق كثير ويفرق عليهم في أول النهار . وكان إذا نزل من الركوب يكون قد اجتمع عند الدار جمع كثير فيدخلهم إليه ويدفع لكل واحد كسوة على قدر الفصل من الشتاء والصيف أو غير ذلك ، ومع الكسوة شيء من الذهب من الدينار والاثنين والثلاثة وأقل وأكثر . وكان قد بنى أربع خانقاهات للزمني والعميان وملأها من هذين الصنفين وقرر لهم ما يحتاجون إليه كل يوم ، وكان يأتيهم بنفسه في كل عصرية اثنين وخميس ويدخل عليهم ويدخل إلى كل واحد في بيته ويتفقده بشيء من النفقة ويسأله عن حاله ، وينتقل إلى الآخر وهكذا حتى يدور على جميعهم وهو يباسطهم ويمزح معهم ويجبر قلوبهم . وبنى دارا للنساء الأرامل ودارا للصغار الأيتام ودارا للملاقيط ورتب بها جماعة من المراضع وكل مولود يلتقط يحمل إليهم فيرضعنه ، وأجرى على أهل كل دار ما يحتاجون إليه في كل يوم وكان يدخل إليها في كل وقت ويتفقد أحوالهن ويعطيهن النفقات زيادة على المقرر لهن ، وكان يدخل إلى البيمارستان ويقف على مريض مريض ويسأله عن مبيته وكيفية حاله وما يشتهيه . وكان له دار مضيف يدخل إليها كل قادم على البلد من فقيه أو فقير أو غيرهما ، وعلى الجملة فما كان يمنع منها كل من قصد الدخول إليها ولهم الراتب في الدار في الغداء والعشاء ، وإذا عزم الإنسان على السفر أعطوه نفقة على ما يليق بمثله .