محمد راغب الطباخ الحلبي

178

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

عباد اللّه كثير الصدقة والمعروف ، ولما توفي الظاهر أحسن شهاب الدين هذا السيرة في الناس وعدل فيهم وأزال كثيرا من السنن الجارية وأعاد أملاكا كانت قد أخذت من أربابها ، وقام بتربية الطفل أحسن قيام وحفظ بلاده ، واستقامت الأمور بحسن سيرته وعدله وملك ما كان يتعذر على الظاهر ملكه ، فمن ذلك تل باشر كان الملك الظاهر لا يقدر أن يتعرض إليه ، فلما توفي ملكها كيكاوس السلجوقي ملك الروم كما نذكره انتقلت إلى شهاب الدين . وما أقبح بالملوك وأبناء الملوك أن يكون هذا الرجل الغريب المنفرد أحسن سيرة وأعف عن أموال الرعية وأقرب إلى الخير منهم ، ولا أعلم اليوم في ولاة أمور المسلمين أحسن سيرة منه ، فاللّه يبقيه ويدفع عنه ، فلقد بلغني عنه كل حسن وجميل اه . وقال أبو الفداء : لما كانت صبيحة يوم السبت وهو الخامس والعشرون من جمادى الأولى من هذه السنة ابتدأ الملك الظاهر المذكور حمّى حادة ، ولما اشتد مرضه أحضر القضاة والأكابر وكتب نسخة يمين أن يكون الملك بعده لولده الصغير الملك العزيز ، ثم بعده لولده الكبير الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن غازي ، وبعدهما لابن عمهما الملك المنصور محمد بن العزيز عثمان بن السلطان صلاح الدين ، وحلف الأمراء والأكابر على ذلك وجعل الحكم في الأموال والقلاع إلى شهاب الدين طغريل الخادم وأعذق به جميع أمور الدولة ، وفي الثالث عشر من جمادى الآخرة أقطع الملك الظافر خضر المعروف بالمستمر كفر سودا ، وأخرج من حلب في ليلة بالتوكيل ، وأخرج علم الدين قيصر مملوك الملك الظاهر إلى حارم نائبا . وفي خامس عشر جمادى الآخرة اشتد مرض الملك الظاهر ومنع الناس الدخول إليه ، وتوفي في ليلة الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة ، وكان مولده بمصر في نصف رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة ، فكان عمره أربعا وأربعين سنة وشهورا ، وكان فيه بطش وإقدام على سفك الدماء ، ثم أقصر عنه ، وهو الذي جمع شمل البيت الناصري الصلاحي ، وكان ذكيا فطنا اه . وقال ابن خلكان في ترجمته : كان الظاهر يكنى أبا الفتح وأبا منصور أيضا ويلقب بغياث الدين ، وكان ملكا مهيبا حازما متيقظا كثير الاطلاع على أحوال رعيته وأخبار الملوك ، عالي الهمة حسن التدبير والسياسة باسط العدل محبا للعلماء مجيزا للشعراء ، أعطاه والده مملكة حلب في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة بعد أن كانت لعمه الملك العادل فنزل عنها ، وتعوض عنها غيرها كما قد شهر . ويحكى عن سرعة إدراكه أشياء حسنة ، منها أنه