محمد راغب الطباخ الحلبي

173

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

قال : وكان يدخل إلى حلب قناة من جهة باب قنسرين ، ولما عمل الشيخ منتخب الدين بن الإسكافي المصنع الذي في المسجد الذي هو شمالي مسجد المحصب رأيت هذا الطريق وقد نسيت ، فاستدللت بذلك على صحة ما قيل . ورأيت جماعة من الصناع يقولون إن القناة إسلامية جلبها إلى حلب ابن العصيصي حين حبس في حلب . وكانت هذه القناة قد سد طريقها لطول المدة ونقص منابع عيونها فكثرها الملك الظاهر وحرر طريقها إلى البلد وسد مخارج الماء منها فكثر ماؤها وجرى في القنوات والقساطل . إصلاح الملك الظاهر غازي لمجرى قناة حلب قال : لما كانت سنة خمس وستمائة سيّر الملك الظاهر غياث الدين غازي إلى دمشق فأحضر صناعا وخرج بنفسه وأوقفهم على أصل هذه القناة التي تخرج من حيلان ، وأمرهم باعتبار الماء الخارج منها واعتبار ما يصل منه إلى حلب ، فاختبروا ذلك فرأوا أن مقدار الخارج من أصل القناة مائة وستون إصبعا ومقدار الداخل إلى حلب عشرون إصبعا لا غير ، وضمنوا له أن يكفوا جميع سكك حلب وشوارعها ودورها ومدارسها وربطها وحماماتها ، ويفضل منه كثير يصرف إلى البساتين والأراضي . فشرع الملك الظاهر في ذلك وبدأ أولا بإصلاح المجرى من حيلان إلى حلب ، وباشر ذلك بنفسه وأحضر إليها جميع الأمراء فضربوا خيامهم على حافتها ، ثم أمر بذرعها من حيلان إلى باب حلب فكانت المسافة خمسة وثلاثين ألف ذراع بذراع النجّارين وهو ذراع ونصف . قلت ( القائل ابن الشحنة ) : ولعله كان في ذلك الحين كذلك ، وأما الآن فهو ذراع وسدس . قال : ثم قسم ذلك قطعا على الأمراء وعيّن لكل أمير صناعا وفعلة وحمل إليهم الكلس والزيت والأحجار والآجر فأصلحت جميعها وجدد طريقها إلى البلد ، وكلّس مخارج الماء فيه فكثر ، وكانت منكشفة لا سقف لها فقطع لها الطوابق من الصخور الصلبة وطبقها جميعها إلا مواضع جعلها برسم تنقيتها وشرب الماء منها ، وأجرى جميع المجرى إلى باب حلب في ثمانية وخمسين يوما ، ولما اتصلت بالبلد أمر ببناء القساطل وأجرى الماء فيها حتى عمت أكثر البلد ، واتخذ البرك في الدور ، ووصل ماء القناة في أيامه إلى مواضع من البلد لم يسمع بوصولها إليها حتى إنها سيقت إلى الحاضر السليماني ( الكلّاسة والمغاير وما بينهما وما كان عامرا في تلك النواحي ) . فقال أبو المظفر محمد بن محمد الواسطي المعروف بابن سنينير يمدحه لما فعل من هذه المكرمة التي عم نفعها وشاع برها وصنعها :