محمد راغب الطباخ الحلبي

158

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

وغيرهما ، ومن الكتب المنتخبة بالخطوط المنسوبة والخطوط الجيدة نحو مائة ألف مجلد ، وباع السلطان صلاح الدين جميع ذلك . واستقل حينئذ صلاح الدين بأمر مصر ومهد أمورها وجرى أمره فيها على السداد . ولما توفي الملك العادل نور الدين بدمشق كما تقدم وعلم صلاح الدين أن ولده الملك الصالح صبي لا يستقل بالأمر ولا ينهض بأعباء الملك واختلفت الأحوال بالشام ، فنهض حينئذ إليها واستولى عليها وعاد إلى مصر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة ، ثم خرج منها إلى الشام في سنة ثمان وسبعين واستمر على الجهاد في سبيل اللّه إلى أن توفي في التاريخ المتقدم رحمه اللّه . وقال القاضي ابن شداد في القسم الأول من كتابه السيرة الصلاحية الذي ذكر فيه مولده ومنشأه وخصائصه وأوصافه وأخلاقه المرضية ما خلاصته : اتفق لوالده الانتقال من تكريت إلى الموصل وانتقل ولده المذكور معه وأقام بها إلى أن ترعرع ، ثم أعطي بعلبك وأقام بها مدة فنقل ولده إليها وأقام بها في خدمة والده يتربى تحت حجره ويرتضع ثدي محاسن أخلاقه ، حتى بدت منه أمارات السعادة ولاحت لوائح التقدم والسيادة فقدمه الملك العادل نور الدين محمود رحمه اللّه وعول عليه ونظر إليه وقرّبه وخصّصه ، ولم يزل كلما تقدم قدما تبدر منه أسباب تقضي تقديمه إلى ما هو أعلى منه . وكان رحمه اللّه حسن العقيدة كثير الذكر للّه تعالى ، قد أخذ عقيدته على الدليل بواسطة البحث مع مشايخ أهل العلم وأكابر الفقهاء ، وكان قد جمع له الشيخ قطب الدين النيسابوري عقيدة تجمع جميع ما يحتاج إليه في هذا الباب ، وكان من شدة حرصه عليها يعلمها للصغار من أولاده حتى ترسخ في أذهانهم في الصغر . وكان شديد المواظبة على الصلاة بالجماعة ، حتى إنه ذكر يوما أن له سنين ما صلى إلا جماعة . وكان إن مرض يستدعي الإمام وحده ويكلف نفسه القيام ويصلي جماعة . وكان يواظب على السنن الرواتب ، وكان له صلوات يصليها إذا استيقظ في الليل ، وإلا أتى بها قبل صلاة الصبح . ولقد رأيته قدس اللّه روحه يصلي في مرضه الذي مات فيه قائما وما ترك الصلاة إلا في الأيام الثلاثة التي تغيب فيها ذهنه . وأما الزكاة فإنه مات رحمه اللّه ولم يحفظ ما تجب عليه به الزكاة . وأما صدقة النفل فإنها استرقت جميع ما ملكه من الأموال ، فإنه ملك ما ملك ومات ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ناصرية جرما واحدا ذهبا ، ولم يخلف ملكا ولا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا قرية ولا مزرعة ولا شيئا من أنواع الأملاك . وكان رحمه اللّه تعالى يحب