محمد راغب الطباخ الحلبي
148
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
ولا يوصل إليها بطريق من الطرق ، إلا أنه أمر بمزاحفتهم ونصب المنجنيق عليهم ففعلوا ذلك ، ورمى بالمنجنيق فلم يصل من أحجاره إلى القلعة شيء إلا القليل الذي لا يؤذي ، فبقي المسلمون أياما لا يرون فيه طمعا وأهله غير مهتمين بالقتال لامتناعهم عن ضرر يتطرق إليهم وبلاء ينزل عليهم ، فبينما صلاح الدين جالس وعنده أصحابه وهم في ذكر القلعة وإعمال الحيلة في الوصول إليها فقال بعضهم : هذا الحصن كما قال اللّه تعالى فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً فقال صلاح الدين : أو يأتي اللّه بنصر من عنده وفتح ، فبينما هم في هذا الحديث إذ قد أشرف عليهم فرنجي ونادى بطلب الأمان لرسول يحضر عند صلاح الدين ، فأجيب إلى ذلك ونزل رسول وسأل انتظارهم ثلاثة أيام فإن جاءهم من يمنعهم وإلا سلموا القلعة بما فيها من ذخائر ودواب وغير ذلك ، فأجابهم إليه وأخذ رهائنهم على الوفاء به ، فلما كان اليوم الثالث سلموها إليه واتفق أنه يوم الجمعة سادس عشر جمادى الآخرة . وكان سبب استمهالهم أنهم أرسلوا إلى البيمند صاحب أنطاكية وكان هذا الحصن له يعرفونه أنهم محصورون ويطلبون منه أن يرحل عنهم المسلمون ، فإن فعل وإلا سلموها . وإنما فعلوا ذلك لرعب قذفه اللّه تعالى في قلوبهم ، وإلا فلو أقاموا الدهر الطويل لم يصل إليهم أحد ولا بلغ المسلمون منه غرضا ، فلما تسلم صلاح الدين الحصن سلمه إلى أمير يقال له قلج وأمره بعمارته ورحل عنه . ولما كان صلاح الدين مشغولا بهذه القلاع والحصون سير ولده الظاهر غازي صاحب حلب ، فحصر سرمينية وضيق على أهلها واستنزلهم على قطيعة قررها عليهم ، فلما أنزلهم وأخذ منهم المقاطعة هدم الحصن وعفى أثره وعالي بنيانه ، وكان فيه وفي هذه الحصون من أسارى المسلمين الجم الغفير ، فأطلقوا وأعطوا كسوة ونفقة . وكان فتحه في يوم الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الآخرة . واتفق أن فتح هذه المدن والحصون جميعها من جبلة إلى سرمانية مع كثرتها كان في ست جمع مع أنها في أيدي أشجع الناس وأشدهم عداوة للمسلمين ، فسبحان من إذا أراد أن يسهل الصعب فعل . وهي جميعها من أعمال أنطاكية ولم يبق لها سوى القصير وبغراس ودرب ساك وسيأتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى اه . ذكر فتح برزية « 1 » قال ابن الأثير : رحل صلاح الدين من قلعة الشغر إلى قلعة برزية وكانت قد وصفت
--> ( 1 ) - ضبطها في معجم البلدان : برزويه وقال : والعامة تقول برزيه .