محمد راغب الطباخ الحلبي
143
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
قاصدين الخدمة للغزاة ، فسار نحو حصن الأكراد في طلب الساحل الفوقاني . ولما كان مستهل ربيع الآخر نزل على تل قبالة حصن الأكراد ، ثم سير إلى الملك الظاهر ( ولده ) والملك المظفر أن يجتمعا وينزلا بتيزين قبالة أنطاكية لحفظ ذلك الجانب . وسارت عساكر الشرق حتى اجتمعت بخدمة السلطان في هذه المنزلة ووصلت إليه رحمه اللّه بهذه المنزلة على عزم المسير إلى الموصل متجهزا لذلك ، فلما حضرت عنده فرح بي وأكرمني وكنت قد جمعت له كتابا في الجهاد « 1 » بدمشق مدة مقامي فيها يجمع آدابه وأحكامه ، فقدمته بين يديه فأعجبه وكان يلازم مطالعته ، وما زلت أطلب دستورا في كل وقت وهو يدافعني عن ذلك ويستدعيني للحضور في خدمته في كل وقت ويبلغني على ألسنة الحاضرين ثناءه علي وذكره إياي بالجميل . ثم سير إلي مع الفقيه عيسى وكشف لي أنه ليس في عزمه أن يمكنني من العود إلى بلادي ، وكان اللّه قد أوقع في قلبي محبته منذ رأيته وحبه الجهاد فأحببته لذلك وخدمته من تاريخ مستهل جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وهو يوم دخوله الساحل . وجميع ما حكيته قبل إنما هو روايتي عمن أثق به ممن شاهده . ومن هذا التاريخ ما سطرت إلا ما شاهدته أو أخبرني به من أثق به خبرا يقارب العيان . ثم ذكر خبر فتحه إلى أنطرسوس وما حولها ثم قال : وسار يريد جبلة وكان عرض له ولده الملك الظاهر في أثناء طريق جبلة ، فإنه طلبه وأمره أن يحضر معه جميع العساكر التي كانت بتيزين ، ووصل إلى جبلة في الثامن عشر من جمادى الأولى ، وما استتم نزول العسكر حتى أخذ البلد وكان فيه مسلمون مقيمون فيه وقاض يحكم بينهم ، وكان قد عمل على البلد فلم يمتنع وبقيت القلعة ممتنعة ونزل العسكر محدقا بالبلد ، وقد دخله المسلمون واشتغل بقتال القلعة فقاتلت قتالا يقيم عذرا لمن كان فيها ، وسلمت بالأمان في التاسع عشر وأقام عليها إلى الثالث والعشرين . وسار عنها يطلب اللاذقية . وقال ابن الأثير في حوادث هذه السنة : لما أقام صلاح الدين تحت حصن الأكراد أتاه قاضي جبلة وهو منصور بن نبيل يستدعيه إليها ليسلمها إليه ، وكان هذا القاضي عند بيمند صاحب أنطاكية وجبلة مسموع الكلمة له الحرمة الوافرة والمنزلة العالية ، وهو يحكم على جميع المسلمين بجبلة ونواحيها وعلى ما يتعلق بالبيمند ، فحملته الغيرة للدين على قصد السلطان
--> ( 1 ) انظر ترجمة المؤلف في القسم الثاني وفي وفيات سنة 632 .