محمد راغب الطباخ الحلبي

139

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

ولما ملك السلطان مدينة حلب في صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة أعطاها لولده الظاهر غازي ، ثم أخذها منه وأعطاها للملك العادل ، فانتقل إليها وقصد قلعتها يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رمضان من السنة المذكورة ، ثم نزل عنها للملك الظاهر غازي بن السلطان لمصلحة وقع الاتفاق عليها بينه وبين أخيه صلاح الدين ، وخرج منها في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة ليلة السبت الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول ، ثم أعطاه السلطان قلعة الكرك ، وتنقل في الممالك في حياة السلطان وبعد وفاته ، وآخر الأمر أنه استقل بمملكة الديار المصرية وخطب له بحلب يوم الجمعة حادي عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وملك معها البلاد الشامية والشرقية وصفت له الدنيا ، ثم ملك بلاد اليمن في سنة اثنتي عشرة وستمائة ، وكان ملكا عظيما ذا رأي ومعرفة تامة قد حنكته التجارب ، حسن السيرة جميل الطوية وافر العقل حازما في الأمور صالحا محافظا على الصلوات في أوقاتها متبعا لأرباب السنة مائلا إلى العلماء ، حتى صنف له فخر الدين الرازي كتاب تأسيس التقديس وذكر اسمه في خطبته وسيره إليه من بلاد خراسان ، وكان بالغالب يصيف بالشام لأجل الفواكه والثلج والمياه الباردة ويشتي في الديار المصرية لاعتدال الوقت فيها وقلة البرد . وعاش في أرغد عيش ، وكان يأكل كثيرا خارجا عن المعتاد ، حتى يقال إنه كان يأكل وحده خروفا لطيفا مشويا ، وكان له في النكاح نصيب وافر ، وحاصل الأمر أنه كان ممتعا في دنياه ، وكانت ولادته بدمشق سنة أربعين وخمسمائة وتوفي سنة خمس عشرة وستمائة ، ودفن بالقلعة ثاني يوم وفاته ، ثم نقل إلى مدرسته المعروفة به ( هي التي اتخذها الآن المجمع العلمي العربي بدمشق مقرا له وأسس فيها مكتبة ومتحفا ) ودفن في التربة التي بها ، وقبره على الطريق يراه المجتاز من الشباك المركب هناك رحمه اللّه . سنة 583 ذكر فتح البيت المقدس وحمل المنبر إليه من حلب في هذه السنة في رجب فتح السلطان صلاح الدين رحمه اللّه البيت المقدس ، وقد كان أخذ من المسلمين سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ، فيكون مدة بقائه في أيديهم إحدى وتسعين سنة . وبسط ابن الأثير وصاحب الروضتين الأخبار في ذلك . قال ابن الأثير : وصلى المسلمون فيه الجمعة ومعهم صلاح الدين وصلى في قبة الصخرة ، وكان الخطيب والإمام محيي الدين محمد بن أبي الحسن بن الزكي قاضي