محمد راغب الطباخ الحلبي
133
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
من تلك الطيقان قسطها من ذلك العنب متدليا أمامها فيمد الساكن فيها يده ويجتنيه متكئا دون كلفة ولا مشقة . وللبلدة سوى هذه المدرسة نحو أربع مدارس أو خمس ، ولها مارستان ، وأمرها في الاحتفال عظيم ، فهي تليق بالخلافة وحسنها كله داخل لا خارج لها إلا نهير يجري من جوفيها إلى قبليها ويشق ربضها المستدير بها ، فإن لها ربضا كبيرا فيه من الخانات ما لا يحصى عدده ، وبهذا النهر الأرحاء وهي متصلة بالبلد وقائمة وسط ربضه ، وبهذا الربض بعض بساتين تتصل بطوله ، وكيفما كان الأمر فيه داخلا وخارجا فهو من بلاد الدنيا التي لا نظير لها والوصف فيه يطول ، فكان نزولنا بربضه في خان يعرف بخان أبي الشكر ، فأقمنا فيه أربعة أيام ورحلنا ضحوة يوم الخميس السابع عشر لربيع المذكور والثامن والعشرين ليونية ووصلنا ( قنسرين ) قبيل العصر ، فأرحنا بها قليلا ثم انتقلنا إلى قرية تعرف ( بتل تاجر ) فكان مبيتنا بها ليلة الجمعة الثامن عشر منه . كلامه على قنسرين والمعرة : قال : وقنسرين هذه هي البلدة المشهورة في الزمان ، لكنها خربت وعادت كأن لم تغن بالأمس ، فلم يبق إلا آثارها الدارسة ورسومها الطامسة ، ولكن قراها عامرة منتظمة لأنها على محرث عظيم مد البصر عرضا وطولا ، وتشبهها من البلاد الأندلسية جيّان ، ولذلك يذكر أن أهل قنسرين عند استفتاح الأندلس نزلوا جيّان تأنسا بشبه الوطن وتعللا به مثل ما فعل في أكثر بلادها حسب ما هو معروف . ثم رحلنا من ذلك الموضع عند الثلث الماضي من الليل فأسرينا وسرنا إلى ضحوة من النهار ، ثم نزلنا مريحين بموضع يعرف بياقدين في خان كبير يعرف بخان التركمان وثيق الحصانة ، وخانات هذا الطريق كأنها القلاع امتناعا وحصانة ، وأبوابها حديد ، وهي من الوثاقة في غاية . ثم رحلنا من هذا الموضع وبتنا بموضع بتمني في خان وثيق على الصفة المذكورة . ثم أسحرنا منه يوم السبت التاسع عشر لربيع الأول المذكور وهو آخر يوم من يونية . ورأينا عن يمين طريقنا بمقدار فرسخين يوم الجمعة المذكور بلاد ( المعرة ) وهي سواد كلها بشجر الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه ، ويتصل التفاف بساتينها وانتظام قراها مسيرة يومين ، وهي من أخصب بلاد اللّه وأكثرها رزقا .