محمد راغب الطباخ الحلبي
446
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
قال ابن العديم : وكان أتابك جبارا عظيما ذا هيبة وسطوة ، وقيل إن الشاووش كان يصيح خارج باب العراق وهو نازل من القلعة ، وكان إذا ركب مشى العسكر خلفه كأنه بين خيطين مخافة أن يدوس العسكر شيئا من الزرع ولا يجسر أحد من هيبته أن يدوس عرقا منه ولا يمشي فرسه فيه ، ولا يجسر أحد من أجناده أن يأخذ لفلاح علاقة تبن إلا بثمنها أو بخط من الديوان إلى رئيس القرية ، وإن تعدى أحد صلبه ، وكان يقول : ما يتفق أن يكون أكثر من ظالم واحد ، يعني نفسه ، فعمرت البلاد في أيامه بعد خرابها وأمنت بعد خوفها ، وكان لا يبقي على مفسد وأوصى ولاته وعماله بأهل حران ، ونهى عن الكلف والسخر والتثقيل على الرعية ، هذا ما حكاه أهل حران عنه . وأما فلاحو حلب فإنهم يذكرون عنه ضد ذلك ، وكانت الأسعار في السنة التي توفي فيها رخية جدا ، الحنطة ست مكايك بدينار ، والشعير اثنا عشر مكوكا بدينار ، والعدس أربع مكايك بدينار ، والجلبان خمسة مكايك بدينار ، والقطن ستون رطلا بدينار ، والدينار هو الذي جعله أتابك دينار الغلة ، وقدره خمسون قرطيسا برسا ( برشا ) وذلك لقلة العالم . ولما قتل افترقت عساكره ، فأخذ عسكر حلب ولده نور الدين أبا القاسم محمود بن زنكي وطلبوه إلى حلب فملكوه إياها ، وأخذ نور الدين خاتمه من إصبعه قبل مسيره إلى حلب ، وسار أجناد الموصل بسيف الدين غازي إلى الموصل وملكها وبقي أتابك وحده ، فخرج أهل الرافقة فغسلوه بقحف جرة ودفنوه على باب مشهد علي عليه السلام في جوار الشهداء من الصحابة رضوان اللّه عليهم وبنى بنوه قبة فهي باقية إلى الآن « 1 » . قال في الروضتين : ( فصل ) في بعض سيرة الشهيد أتابك زنكي ، وكانت من أحسن سير الملوك ، وكانت رعيته في أمن شامل يعجز القوي عن التعدي على الضعيف . قال ابن الأثير : حدثني والدي قال : قدم الشهيد إلينا بجزيرة ابن عمر في بعض السنين وكان زمن الشتاء ، فنزل بالقلعة ونزل العسكر في الخيام ، وكان في جملة أمرائه الأمير عز الدين أبو بكر الدبيسي وهو من أكابر أمرائه ومن ذوي الرأي عنده ، فدخل الدبيسي البلد ونزل بدار إنسان يهودي وأخرجه منها ، فاستغاث اليهودي إلى الشهيد وهو راكب
--> ( 1 ) إلى هنا آخر المنتخبات من بغية الطلب في تاريخ حلب للصاحب كمال الدين عمر بن أحمد المشهور بابن العديم الحلبي المطبوعة في باريس مع ترجمتها بالإفرنسية .