محمد راغب الطباخ الحلبي
434
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
أنهم كلهم يصدرون عن رأيه ، فكان أتابك زنكي لا شك يفعل ذلك لئلا يخلو السلطان فيتمكن منه ومن غيره ، فلما تفرغ السلطان هذه السنة جمع العساكر ليسيروا إلى بلاده ، فسير أتابك يستعطفه ويستميله ، فأرسل إليه السلطان أبا عبد اللّه بن الأنباري في تقرير القواعد فاستقرت الحال على مائة ألف دينار إمامية يحملها الشهيد إلى السلطان ليعود عنه ، فحمل عشرين ألف دينار أكثرها عروض وطلب أن يحضر الشهيد في خدمته فامتنع واعتذر باشتغاله بالفرنج ، فعذره وشرط عليه فتح الرها . وكان من أعظم الأسباب في تأخر السلطان عن قصد الموصل أنه قيل له إن مملكة البلاد لا يقدر على حفظها من الفرنج غير أتابك عماد الدين ، فإنها قد وليها قبله مثل جاولي سقاوة ومودود وجيوش بك والبرسقي وغيرهم من الأكابر ، وكان السلاطين يمدونهم بالعساكر الكثيرة ولا يقدرون على حفظها ، ولا يزال الفرنج يأخذون منها البلد بعد البلد إلى أن وليها أتابك فلم يمده أحد من السلاطين بفارس واحد ولا بمال ، ومع هذا فقد فتح من بلاد العدو عدة حصون وولايات وهزمهم غير مرة واستضعفهم وعز الإسلام به . ومن الأسباب المانعة له أيضا أن الشهيد كان لا يزال ولده الأكبر سيف الدين غازي في خدمة السلطان مسعود بأمر والده ، وكان السلطان يحبه ويقربه ويعتمد عليه ويثق به ، فأرسل إليه الشهيد يأمره بالهرب والمجيء ، إلى الموصل ، وأرسل إلى نائبه بالموصل يأمره أن يمنعه من دخول الموصل ومن المسير إليه ، ففعل ذلك وقال له : ترسل إلى والدك تستأذنه في الذي نفعله ، فأرسل إليه فعاد الجواب : إنني لا أريدك ما دام السلطان ساخطا عليك ، فألزمه بالعود إليه ، فعاد ومعه رسول إلى السلطان يقول له : إنني لما بلغني أن ولدي فارق الخدمة بغير إذن لم أجتمع به ورددته إلى بابك ، فحل هذا عند السلطان محلا كبيرا وأجاب إلى ما أراد الشهيد . ثم إن الأمور تقلبت وعاد أصحاب الأطراف خرجوا على السلطان فاحتاج إلى مداراة الشهيد وأطلق له الباقي مما تقرر عليه استمالة له . سنة 539 ذكر فتح الرها وغيرها من البلاد الجزرية قال ابن العديم : كان أتابك زنكي لا يزال يفكر في فتح الرها ونفسه في كل حين تطالبه بذلك ، إلى أن عرف أن جوسلين صاحبها قد خرج منها في معظم عسكره في