محمد راغب الطباخ الحلبي
424
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
جماعة من أعيان حلب إلى أتابك زنكي وهو يحاصر حمص فاستغاثوا به واستنصروه ، فسير معهم كثيرا من العساكر فدخلوا إلى حلب ليمنعوها من الروم إن حصروها . ثم إن ملك الروم قاتل بزاعة ونصب عليها منجنيقات وضيق على من بها فملكها بالأمان في الخامس والعشرين من رجب ثم غدر بأهلها فقتل منهم وأسر وسبى ، وكان عدة من جرح فيها من أهلها خمسة آلاف وثمانمائة نفس ، وأقام الروم بعد ملكها عشرة أيام يتطلبون من اختفى ، فقيل لهم إن جمعا كثيرا من أهل هذه الناحية قد نزلوا المغارات فدخنوا عليهم وهلكوا في المغاير ثم رحلوا إلى حلب من الغد في خيلهم ورجلهم ، فخرج إليهم أحداث حلب فقاتلوهم قتالا شديدا ، فقتل من الروم وجرح خلق كثير وقتل بطريق جليل القدر عندهم وعادوا خاسرون ، وأقاموا ثلاثة أيام فلم يروا فيها طمعا فرحلوا إلى قلعة الأثارب ، فخاف من فيها من المسلمين فهربوا عنها تاسع شعبان ، فملكها الروم وتركوا فيها سبايا بزاعة والأسرى ومعهم جمع من الروم يحفظونهم ويحمون القلعة وساروا . فلما سمع الأمير أسوار بحلب ذلك رحل فيمن عنده من العسكر إلى الأثارب فأوقع بمن فيها من الروم فقتلهم وخلص الأسرى والسبي وعاد إلى حلب . وأما عماد الدين زنكي فإنه فارق حمص وسار إلى سلمية فنازلها ، وعبر ثقله الفرات إلى الرقة وأقام جريدة ليتبع الروم ويقطع عنهم الميرة . وأما الروم فإنهم قصدوا قلعة شيزر فإنها من أمنع الحصون ، وإنما حصروها لأنها لم تكن لزنكي فلا يكون له في حفظها اهتمام ، وإنما كانت للأمير أبي العساكر سلطان بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني ، فنازلوها وحصروها ونصب عليها ثمانية عشر منجنيقا ، فأرسل صاحبها إلى زنكي يستنجده ، فسار إليه فنزل على نهر العاصي بالقرب منها بينها وبين حماة ، وكان يركب كل يوم ويسير إلى شيزر هو وعساكره ويقفون بحيث يراهم الروم ويرسل السرايا فتأخذ من ظفرت به منهم ، ثم إنه أرسل إلى ملك الروم يقول له : إنكم قد تحصنتم مني بهذه الجبال فانزلوا منها إلى الصحراء حتى نلتقي فإن ظفرت بكم أرحت المسلمين منكم وإن ظفرتم استرحتم وأخذتم شيزر وغيرها ، ولم يكن له فيهم قوة وإنما كان يرهبهم بهذا القول وأشباهه ، فأشار فرنج الشام على ملك الروم بمصافاته وهونوا أمره