علي بن أبي بكر الهروي

6

الإشارات إلى معرفة الزيارات

وكان من الطبيعي لدى الهروي - وهو الذي ارتحل من أجل رؤية الآثار والمزارات - أن يتجه اهتمامه إلى رؤية آثار مصر ومزاراتها ، فهذه مصر ماثلة أمامه بآثارها القديمة ، تحكى أمجاد هذا البلد العريق ، وتكشف عن دوره الخالد في خدمة الحضارة الإنسانية ، وإذا كان الرحالة المسلمون على عهد الهروي ومن بعده ، قد باعد الزمان بينهم وبين هذه العصور السحيقة ، فكانوا لا يعرفون حق المعرفة ما تمثله هذه الآثار وما عليها من كتابات ونقوش ، ومن ثمّ كان عمل الهروي شاقّا وعسيرا في كتاباته عن هذه المرحلة الهامة من تاريخ مصر : « وذلك بسبب افتقار الباحثين في التاريخ القديم من حيث الخبرة بالكشوف واللغة الهير وغليفية ، وهي أمور لم يصل العلم إلى كشف أسرارها إلا في مطلع العصر الحديث ، ولذا لم يكن عجبا أن يلتمس هذا الرحالة سبيله إلى هذه الحقبة الخالدة من تاريخ مصر عن طريق القصص التي رددتها شفاه المعاصرين له ، والتي امتلأت بها مجالسهم الخاصة والعامة ، ولا ينقص من قيمة هذه المحاولة أن القصص التي سردها الهروي حفلت بالخيال الواسع ، أو لأنها ابتعدت عن منهج البحث الذي نعرفه في وقتنا الحاضر ، إذ يكفى هذا الرحالة فخرا أنه نجح في إشارة غريزة حب الاستطلاع عند المصريين في تاريخ وطنهم القديم ، وتلمس الروابط القيمة بين حاضرهم إذ ذاك وماضيهم التليد » « 1 » . ولم تكن الآثار وعجائب المباني بمصر هي التي شدت انتباه الهروي فحسب ، بل إن نيلها وجوها ونباتها وزهورها كان له في نفس الهروي الشيء الكثير ، وفي ذلك يقول : « فإن ديار مصر ونيلها من عجائب الدنيا ، ورأيت بها في آن واحد مجتمع وردا ثلاثة ألوان ، وياسمينا ، ونيلوفرا لونين ، وآسا ، ونسرينا وريحانا ونبقا وأترنجا وليمونا مركبا وموزا وجميزا وحصرما وعنبا وتينا أخضر ولوزا وفقوسا وبطيخا وباذنجان وباقلا أخضر وخسا والبقول والرمان وهيلونا وقصب السكر » . كما يعجب بمبانى مصر ومقابرها الأثرية بالصعيد . هذا وقد اعتمد ياقوت في كتاباته إلى حد كبير على المواد التي تناولها الهروي في كتاباته ، ونقل الكثير منها نقلا حرفيّا .

--> ( 1 ) د . العدوي : ابن عبد الحكم ص 64 - 65 .