مؤلف مجهول
55
الإستبصار في عجايب الأمصار
فلما تم بنيان هذه الأهرام والبرابى ، أمر الملك أن يكتب على حيطان البرابى وسقوفها جميع الأشياء وغوامض الأمور : من دلائل النجوم وعللها وسائر الصنائع والطباع ومكنونها ، والنواميس العظام وعمل الأدوية وتأليفها ، ومعرفة العقاقير وأسمائها وصورها ، وعلم صنعة الكيمياء وغير ذلك مما ينفع ويضر . كل ذلك ملخص مفسر لمن عرف كتابتهم وفهمها . ونقش في حيطانها وسقوفها جميع الطلسمات وكتب على كل طلسم خاصيته ونفعه وضرره ، وكما وضع في تلك الأهرام فنونا من الذهب والفضة والكيمياء وحجارة الزبرجد الرفيعة والجواهر النفيسة ما لا يحصّله وصف واصف . وكذلك فعل بنوه من بعده . فلما تمت هذه الأهرام والبرابى على ما أراد الملك قال لهم أنظروا هل تفسد هذه الأعلام ، فنظروا فوجدوها باقية لا تزول . فقال لهم هل يفتح منها موضع ، أو هل يدخل إليها ، فنظروا فقالوا له يفتح في الهرم الفلاني في الجانب الشمالي منه ، فقال لهم حققوا النظر في معرفة الموضع بعينه ، فنظروا وعرفوه بالموضع . فقال لهم عرفوني متى يكون ذلك ، فنظروا فعرفوه أنه يكون ذلك لمدة 4000 دورة للشمس والدورة سنة . فقال لهم أنظروا مقدار ما ينفق في فتح هذا الموضع ؛ فنظروا فعرفوه بالقدر ، فقال لهم اجعلوا في الموضع الذي يوصل منه إلى داخل الهرم ذهبا بمقدار ما ينفق على فتحه . ثم حثهم على الفراغ من بناء الأهرام والبرابى ، ففرغوا منها في 60 سنة . وأمر أن يكتب عليها : « بنينا هذه الأهرام في 60 سنة فليهدمها من يهدمها في 600 سنة ، على أن الهدم أهون من البناء » « 1 » . ثم قال لهم أنظروا هل يكون بعد هذه الآفة كون مضر غيرها ، فنظروا فإذا الكواكب تدل في وقتهم وتظهرهم على آفة أخرى نازلة من السماء ، وتكون في آخر الزمان وهي ضد الأولى ، وهي نار محرقة لأقطار العالم ، فأخبروه بذلك . فقال لهم فهل من خبر آخر توقفونا عليه بعد هذه الأمور ، فقالوا له ننظر في ذلك ؛ فنظروا على آلاف السنين ، وقالوا له إذا قطع قلب الأسد ثلثي دورة ، وهي آخر دقيقة من برج العقرب ، لم يبق من حيوان الأرض متحرك إلا تلف ، فإذا استتم دورة تحللت عقد الفلك . فقال لهم في أي يوم تتحلل عقد الفلك ، فقالوا له اليوم الثاني من وجود الفلك . قال فتعجب الملك من ذلك ، وأمر بكل ما قاله العلماء من هذه الحكم أن تخلّد في الكتب ، وتستودع في تلك الأهرام ؛ فيقال إن فيها علم الأولين والآخرين .
--> ( 1 ) قارن ابن حوقل ، ص 88 ؛ ابن رسته ، ص 80 ؛ ابن الفقيه ، ص 68 ؛ المقدسي ، ص 210 ؛ المسعودي ، مروج الذهب ، ج 2 ص 405 ؛ المقريزي ، الخطط ، ج 1 ص 113 ؛ السيوطي ، حسن المحاضرة ، ج 1 ص 42 .