مؤلف مجهول

195

الإستبصار في عجايب الأمصار

ابن محمد الأوربى معتزلي المذهب فوافقه إدريس على مذهبه ، وأقام عنده ، وأمر إسحاق قبيلته بطاعته وتعظيمه . وكان ذلك في خلافة هارون الرشيد أمير المؤمنين ، فوصله خبره ، فغمه ذلك ، فشكا ذلك إلى يحيى بن خالد ، فقال له أنا أكفيك خبره يا أمير المؤمنين . ثم أرسل إلى سليمان بن جرير الجزيري « « ا » » وكان رجلا من ربيعة متكلما ممن يرى رأى اليزيدية متعصبا لآل أبى طالب ، وكان جلدا شجاعا ، أحد شياطين الإنس وكانت له إمامة في اليزيدية ، وهو الذي جمع الرشيد بينه وبين هشام بن عبد الحكم حين ناظره في أمر الإمامة ، ولذلك قصة طويلة . قال فأرغبه يحيى بن خالد في المال ووعده عن نفسه وعن أمير المؤمنين بمواعد عظيمة ، ودعاه إلى قتل إدريس ، والتلطف في أمره . فأجابه إلى ذلك وأعطاه مالا جزيلا ودفع إليه قارورة فيها غالية مسمومة ، ووجه معه رجلا من ثقاته . فانطلق سليمان مع صاحبه ، فلم يزالا يتغلغلان في البلاد حتى وصل إلى إدريس ، وكان إدريس عالما برياسة سليمان باليزيدية « « ب » » ، فلما وصل إليه قال : إنما جئتك بنفسي وحملتها على ما حملتها عليه لمذهبي فيكم أهل البيت ، فجئتك لا في حاجة إليك إلا لأنصرك بنفسي ؛ فسرّ « « ج » » إدريس بقوله ، وقبله أحسن قبول ، فأحسن نزله وأكرم مثواه وأنس به . فكان سليمان يجلس في مجالس البربر ويظهر الدعاء إلى ولد رسول اللّه صلعم ، ويحتج لأهل البيت كاحتجاجه بالعراق . فأعجب ذلك إدريس منه ، ومكث عنده مدة ، وهو يطلب الغرة فيه ويرتصد الفرصة في أمره ، فدخل عليه سليمان ومعه القارورة ، فلما انبسط إليه إدريس وأخلى له وجهه ، قال له سليمان : جعلني اللّه فداك ، هذه القارورة فيها غالية رفيعة أو صلتها معي وأعلم أنه ليس ببلدك طيب فجئتك بها ، ووضعها بين يديه ؛ ففتحها إدريس وشمها وتخلق بها . وقيل أخرج سكينا ، وقطع به تفاحة ، وأعطاه النصف الذي يلي الجهة المسمومة من السكين ، ثم انصرف سليمان إلى صاحبه وقال له قم ، قد تم مرادنا لنا ، وقد كان أعد فرسين فركباهما ، وخرجا يطلبان « « د » » النجاة . فلما وصل السم إلى خياشيم إدريس ، وتغلغل في دماغه سقط مغشيا عليه لا يعقل ، ولا يدرى من يحتضر به من أهله وحاشيته ما شأنه . قال فبعثوا إلى راشد فجاء مسرعا

--> « ا » النص : الجورى . أنظر Fagnan ، ص 150 هامش 1 . « ب » ب : بالبربرية . « ج » ب : فبشر . « د » ب : يركضان .