مؤلف مجهول
93
الإستبصار في عجايب الأمصار
قطعة من الأرض خشبة قائمة ، ووصل بها حبالا منوطة بعضها ببعض يرجع جميعها إلى عمود الرخام ، وعلى العمود جرسا عظيما وعلى كل قطعة من تلك الحبال جرسا صغيرا ، فإذا حركوا حبل الجرس الكبير على العمود وخفق تحركت سائر الحبال وخفقت الأجراس . وأقام الإسكندر يرقب الوقت المحمود ، وأمر الصناع إذا سمعوا تحريك الأجراس أن يضعوا الأساس دفعة واحدة وقد كانوا استعدوا لذلك . فبينما الإسكندر يرقب الوقت أصابته سنة ، فوقع غراب على حبل الجرس الكبير فحركه فتحركت جميع الأجراس ، فوضع البناؤون في تلك الساعة الأساس « 1 » . وارتفع الضجيج بالتحميد والتسبيح فاستيقظ الإسكندر لضجيجهم ، فسأل عن الخبر فأعلن ، فعجب من ذلك ، وقال : « أردت أمرا فأراد اللّه غيره ويأبى اللّه إلا ما يريد ، أردت طول بقائها وأراد اللّه سرعة بنائها » « 2 » . ثم تمادى على عملها وبنى المدينة على آزاج وطبقات قد عمل لها مخاريق ومتنفسات للضوء ، يسير الفارس وبيده رمح طويل فلا يضيق به طريق من تلك الآزاج حتى يدور جميع الإسكندرية . وكذلك كانت أسواقها مقنطرة فلا يصيب أهلها المطر . وبنى أسوارها من أنواع الرخام الأبيض والملون ، وكذلك جميع قصورها ودورها ، فكانت تضيء بالليل بغير مصباح لشدة بياض الرخام ، وربما علت على أسوارها شقاق الحرير الأخضر لاختطاف بياضها أبصار الناس « 3 » . وبنى عليها 7 أسوار وأمام كل سور خندق ، وبين كل خندق وسور فصيل . ويقال إنها كانت أعظم مدينة بنيت في معمور الأرض وأغربها بنيانا ، فقيل إنه كان سكان البحر يؤذون الناس ويختطفونهم بالليل ، فاتخذ الإسكندر الطلسمات مصورة على أعمدة رخام على هيئة شجرة السرو ، طول العمود منها 80 ذراعا ، وهي باقية إلى هذه الغاية . يقال إنها على أعمدة نحاس قد خرقت الأرض فصورت
--> ( 1 ) هنا تجدر الإشارة إلى أن ابن تغرى بردى ( النجوم الزاهرة ، ج 2 ص 415 ) ينسب هذه الأسطورة إلى بناء القاهرة . ( 2 ) القراءة في المسعودي ( مروج الذهب ، ج 2 ص 424 ) : « . . أردت طول بقائها وأراد اللّه سرعة فنائها وخرابها . . » . ( 3 ) حسب رواية أخرى ظل أهل المدينة يضعون الخرق السود على عيونهم طوال 70 عاما خوفا على أبصارهم من شدة بياض الرخام . ابن عبد الحكم ، ص 36 ؛ ابن خرداذبه ، ص 159 ؛ ابن رسته ، ص 80 .