عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف
798
إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت
فمن الإشكالات : أنّ الحسيّسة - وهي محلّ السّكنى - لم تكن بذلك الارتفاع ولا بقريب منه ، وإنّما كانت بسفح الجبل وحضيضه ، وآثارها ظاهرة به إلى اليوم . . فكيف يخافون على الميت في قبره ما لا يخافونه على الأحياء في دورهم ؟ ! ومنها : أنّه لو كان ماء السّيل الرّاجع عن سدّ سنا يصل ولو إلى ربع ارتفاع الموجود . . لأغرق شباما فضلا عمّا دونها ، حسبما قلنا في الكسر . ومنها : أنّ تريم ، وبور ، وتنعه ، والعجز ، وثوبه ، كانت موجودة من قبل انهيار سدّ سنا ، ولو كان رجع الماء عنه يضرّها . . لما أمكن بقاؤها . وأمّا الفائدة الّتي لم نسمع بها إلّا من هذا الكلام . . فهي : أنّ الخدّ بالأرض لم يكن إلّا من بعد الفقيه المقدّم ، المتوفّى سنة ( 652 ه ) ، ومعلوم أنّه لن يكون دفعة ، بل بالتّدريج ، في الّذي يلي السّدّ ، ثمّ في الّذي يليه ، وهكذا كما يشهد له الحسّ ، فمسيال سرّ الواقع الآن بين الحسيّسة وبور لا ينخفض الآن عن سطح الأرض بأكثر من نحو ستّة أذرع . . إن لم يكن بأقلّ . وجاء في « النّور السّافر » [ ص 118 ] عن تريم أنّها كانت في قديم الزّمان عامرة جدّا ، وأمّا الآن . . فهي ضعيفة إلى الغاية « 1 » ، إلى أن قال : ( والظّاهر أنّ سبب خرابها سيل العرم الّذي أرسله اللّه على سبأ ، فانقطعت عنها المياه الّتي كانت تزرع عليها ، فسبحان من يقلّب الأمور ) اه وهذا أيضا فيه فائدة وإشكال : أمّا الفائدة فهي : الإشارة إلى أنّ حضرموت كانت تشرب من المياه المخزونة بسدّ مأرب ، وهو موافق لما ذكرته في « الأصل » عن الخزرجيّ و « شرح الأمثال » للميدانيّ ، إلّا أنّه قد يغبّر عليه ما جاء في « إكليل الهمدانيّ » ( ص 46 ج 8 ) من قوله [ من البسيط ] :
--> ( 1 ) مفاد الكلام هنا : أن تريم كانت عامرة - أي : بالزروع والنخيل - ولكنها ضعفت جدا في أواخر القرن العاشر ، زمن تأليف « النور السافر » .