عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف

743

إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت

وإن قصرت ذرعان قوم بحادث * تلقّاه من آرائهم كاهل عبل تلذّ لنا أخبارهم وتذيبنا * فواعجبا منها تمرّ كما تحلو يذكّرنيهم كلّ ممسى ومصبح * فما زال في خدّي لتذكارهم طلّ ومن أواخر ما رأيت من بهجة القرن ونضارته : أنّني أصعد ذروة داري بعد المغرب سنة ( 1355 ه ) ، وهي سطح صغير قاصر الجدار ، يسافر الطّرف من ثلاث نواحيه ، إحاطة ثلثي الدّائرة ، كأنّها الكواكب المنتثرة ، والشّبّان أوزاع ، والفرح مخيّم على سائر البقاع ، فأستغرق في ذلك الجمال الباهر ، واللّذّة الّتي تحمي النّوم عن السّامر والسّاهر ، ثمّ عدت إلى مثل ذلك في سنة ( 1363 ه ) فكنت كما قال الرّضيّ [ في « ديوانه » 1 / 654 من الطّويل ] : نظرت الكثيب الأيمن اليوم نظرة * فردّت إليّ الطّرف يدمى ويدمع إذ قد أدبر العيش ، وكرّ من الإدبار جيش ، وأديل النّور بالظّلام ، فلا سمر ولا غناء ولا سراج ولا كلام ، وكأنّما كلّ ذلك من الأحلام ، وما هو إلّا ببعض ما اكتسبوا ، ويعفو عن كثير والسّلام . ولّى الزّمان وولّت الأيّام * فعلى المنازل والنزيل سلام « 1 » ثمّ إنّي بعد أن خبت المصابيح ، وأوحشت السّطوح والمراويح . . هجرت الذرى ليلا ، وجعلت أتسنّمها غديات الخريف ، وأسرح النّظر من الجهات الثّلاث تاليا ما تعوّدته من الأوراد في الظّلّ الظّليل ، والجوّ البليل ، والرّيح العليل ، والفضاء الرّحب ، والهواء الطّلق الشبيه بنعيم الجنّة ، لا يمتاز به أحد ، وإنّما هو كجمال الأفلاك وأنوارها ، ما يكون منه عند هؤلاء . . يكون عند الآخرين ، ولهذا ينتفي التّحاسد عليه ؛ لأنّ النّاس مشاع فيه ، فأرى النّخيل الباسقة ، والقصور البيضاء الشّاهقة ، فأستغرق في النّعمة ، وأنبسط من البهجة ؛ إذ يظهر حينئذ ما يدهش العقل

--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو للإمام عبد اللّه بن علوي الحداد في « ديوانه » ( 474 ) .