عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف
727
إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت
ثمّ جاءت الطّامّة الكبرى وكانت الحرب الطّاحنة ، وانقطعت صلات جاوة وسنغافورة عن حضرموت ، فوقع الحضارم - ولا سيّما من نزل عن شبام - في أضيق من حلقة الميم ، وأشدّ من صمّاء الغبر « 1 » ، ورماهم اللّه بسبع كسبع يوسف « 2 » ، يكفي لوصفها ما جاء في قصيدتي المستهلّة بقولي [ من الكامل ] : عبر يلين بها الغليظ الجافي * ويحسّ منها القلب وخز أشافي « 3 » وقد طبعت مرّات ، وأشرت إلى شيء من ذلك في قصيدة أخرى ، مطلعها [ من الكامل ] : يا ليت شعري هل يساغ الرّيق * ويدال بالإفراج هذا الضّيق ولو أنّ سيئون عادت بالفقر الأخير سيرتها الأولى من الأنس والصّفاء ، وكثرة السّرور وسلامة الصّدور . . لكان الأمر هيّنا ، بل ممدوحا ، فلا مرحبا بالمال إن لم يكشف البؤس ، ويؤنس النّفوس ، ولكن . . لا ذا تأتّى ولا ذا حصل « 4 » ، وما أتوا إلّا من قبل نفوسهم ، وسوء أعمالهم ، ونغل قلوبهم ، وفساد نيّاتهم ، فكان الأمر كما قال القطب الحدّاد [ في « ديوانه » 126 من الرّمل ] : آية الأنفال والرّعد مع النّ * حل لمّا غيّروها . . غيّرت « 5 »
--> ( 1 ) الصّمّاء : الحيّة . الغبر : الأرض الّتي لا يهتدى فيها ، يضرب مثلا للداهية العظيمة . ( 2 ) المجاعة الكبرى في حضرموت : بدأت من حدود ( 1362 ه ) إلى سنة ( 1366 ه ) إبان الحرب العالمية الثانية ، وقد مات أثناءها أمم لا تحصى ، وقد كانت من أسباب الهجرة إلى الحجاز ونواحي الجزيرة ، والبعض إلى الحبشة وأرتيريا ، ومؤخرا إلى السعودية وبلدان الخليج . ( 3 ) الأشافي : الإبر . ( 4 ) أخذا من البيتين المشهورين في التحذير من التقليد الأعمى : غراب تعلم مشي القطا * وقد كان يحسن مشي الحجل فهرول ما بين هذا وذا * فلا ذا تأتى ولا ذا حصل ( 5 ) آية الأنفال : هي قوله تعالى : ( ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) . آية الرعد : هي قوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ ) . آية النحل : هي قوله تعالى : ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ) .