عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف
627
إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت
وقد قرأت على سيّدنا الأستاذ الأبرّ ، وسمعت منه ، وحضرت لديه ، وتكرّرت لي الإجازة والمصافحة والتّلقيم والإلباس منه ، وتلقّيت عنه المسلسلات بالفعل بعضا ، والإجازة في الباقي ، وأخلصني بدعائه ، وشملني باعتنائه ، وما ألذّ على لساني وقلمي من ثنائه ، وللّه درّ المتنبّي في قوله [ في « العكبري » 3 / 261 من الكامل ] : ما دار في الحنك اللّسان وقلّبت * قلما بأحسن من نثاك أنامل « 1 » وقد ذكرته في « الأصل » و « الدّيوان » بأكثر ممّا هنا ، وكلّه قليل ، لا يشتفي به الغليل ؛ لأنّ محاسنه الفضاء لا يقطعه نسر ، والكثير لا يشمله حصر . وتحيّرت فيه الصّفات لأنّها * ألفت طرائقه عليها تبعد « 2 » وقد انتهت مناقب السّلف الصّالح إليه ، وما رأى النّاس إجماعا على فضل أحد مثل إجماعهم عليه . ما زال منقطع القرين وقد أرى * من لا يزال مشاكل يلقاه « 3 » ليس التّفرّد بالسّيادة عندنا * أن توجد الضّرباء والأشباه ثمّ إنّه لم يزل يعاني الآلام ، في ثبات الأعلام ، حتّى نزل به الحمام ، فاستدعى أهله وأولاده ، وشرب من ماء سقاهم فضله ، وودّعهم وأوصاهم ودعا لهم ، ثمّ أخذ الموت يلتاط به ، حتّى بردت أطرافه ، ونزل به قوم من آل أحمد بن زين الحبشيّ فأمر بتسخين يده كيلا ينكروا بردها ، وأذن لهم وقرأ الفاتحة ، ولمّا نهضوا . . عزم على الصّلاة ، فأريد على التّرخّص في الطّهارة لضعفه وموت أطرافه . . فقال : كيف آخذ بالتّوسعة وهذه آخر صلاتي في الدّنيا وقد قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « صلّ صلاة مودّع » « 4 » .
--> ( 1 ) نثاك : خبرك ، وهو هكذا بتقديم النّون . والمعنى - كما في « العكبريّ » - : ما تكلّم ولا كتب بأحسن من أخبارك . ( 2 ) البيت من الكامل ، وهو للمتنبي في « العكبري » ( 1 / 333 ) . ( 3 ) البيتان من الكامل ، وهما للبحتري في « ديوانه » ( 1 / 337 ) . ( 4 ) أخرجه ابن ماجة ( 4171 ) ، والطّبرانيّ في « الأوسط » ( 4 / 358 ) .