عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف

503

إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت

والبيت الأوّل شبيه بقول عبد اللّه بن الحرّ [ من الطّويل ] : إذا خرجوا من غمرة رجعوا لها * بأسيافهم والّطعن حتّى تفرّجا وهو من قصيدة قالها وهو في حبس مصعب بن الزّبير . لقد كانت يافع على أحسن ما كانت العرب عليه من الوفاء بالذّمم ، وصدق الكلم ، وبعد الهمم ، إلّا أنّهم بالآخرة بغوا وتكبّروا ، وكثر من سفهائهم الظّلم ، والجور والفساد ، وما أحسن قول أبي تمّام [ في « ديوانه » : 2 / 98 من البسيط ] : لا تجعلوا البغي ظهرا إنّه جمل * من القطيعة يرعى وادي النّقم « 1 » نظرت في السّير اللّاتي خلت فإذا * أيّامه أكلت باكورة الأمم أفنى جديسا وطسما كلّها وسطا * بالأنجم الزّهر من عاد ومن إرم أردى كليبا وهمّاما وهاج به * يوم الذّنائب والتّحلاق للّمم « 2 » يا عثرة ما وقيتم شرّ مصرعها * وزلّة الرّأي تنسي زلّة القدم

--> ( 1 ) الظّهر : ما يركب فوقه ويحمّل عليه الأمتعة من الحيوانات . والمعنى : لا تبغوا وتجعلوا البغي كالجمل الّذي تحمّلون عليه متاعكم ؛ لأنّه كالجمل غير الذّلول ، وربّما أكل صاحبه . ( 2 ) كليب : هو كليب وائل ، أخو المهلهل ( الزّير سالم ) ، وهو الّذي كانت تضرب الأمثال بعزّته . همّام : هو ابن مرّة من بكر ، وهو الّذي طلب التغلبيّون أن يقتلوه بكليب الّذي قتله جسّاس بن مرّة . يوم الذّنائب : يوم ظفر فيه بنو تغلب على بني بكر . تحلاق اللّمم : هو اليوم الّذي ظفر فيه الحارث بن عباد على بني تغلب ؛ من أجل أنّ الزّير سالم ( المهلهل ) قتل بجير بن الحارث هذا . مع العلم أنّ الحارث بن عباد كان من حكماء العرب ، وقد اعتزل حرب البسوس من أوّلها ، وقال : ( لا ناقة لي فيها ولا جمل ) فغدا كلامه مثلا . ثمّ لمّا أكثر المهلهل وأسرف في القتل . . جاءت وفود العرب إلى الحارث هذا ، وطلبوا منه أن يكلّم المهلهل في ذلك . . فأرسل ابنه رسولا للمهلهل في كتاب ، وقال في آخر الكتاب : ( وإن لم يكن قلبك قد اشتفى بقتلك من قتلت . . فاقتل ابني بجيرا بكليب ، وأنه الحرب ، وتكون قد قتلت ملكا بملك ) . . فثار عند ذلك غضب المهلهل ، وطعن بجيرا في بطنه وقال : ( بؤ . . بشسع نعل كليب ) . ولمّا بلغ الحارث بن عباد هذا الكلام . . طار لبّه ، وفقد رشده ، وثار ونادى بالحرب ، وارتجل قصيدته المشهورة ، الّتي كرّر فيها قوله : ( قرّبا مربط النّعامة منّي ) أكثر من خمسين مرّة ، والنّعامة : اسم فرسه ، فجاؤوه بها ، فجزّ ناصيتها ، وقطع ذنبها - وهو أوّل من فعل ذلك من العرب فاتّخذ سنّة عند إرادة الأخذ بالثّأر - وأمر جميع من معه بأن يحلقوا لممهم - ومن هنا سمّيت المعركة هذه باسم : -