عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف
434
إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت
زفّ كبير ، حضره ذلك الشّاعر ، فألقى عليهم ما يمحو بوادره السّابقة . ومن أخبارهم : أنّه كان بين عبد اللّه باذياب « 1 » - صاحب غورب - وبين عبد اللّه بن عوض بن فاجع - صاحب الهشم - منافسات ، فبينا أحمد بن عبد اللّه باذياب يمشي ذات يوم مع اثنين من أصحابه على مقربة من الهشم . . إذ خرج عليهم عبد اللّه عوض صاحب الهشم في سبعة من أصحابه ، فأطلقوا الرّصاص على أحمد بن عبد اللّه فخرّ صريعا يتشحّط في دمه ، وهرب صاحباه ، فاحترق لذلك فؤاد والده عبد اللّه باذياب ، وأخذه من الأسف على ولده ما كاد يفلق فؤاده ، لا سيّما وقد أعياه الثّأر ؛ إذ أخذ عبد اللّه بن عوض بن فاجع بالحزم الشّديد ، فقلّما خرج من داره إلّا بعد الاستبراء . ولمّا اشتدّ الأسف بباذياب . . خاطر ولده مانع بنفسه ، واقتعد اللّيل وكمن في خربة بالهشم ، ولمّا خرج أحمد بن عبد اللّه بافاجع . . قدر عليه ، ولكنّه تركه رجاء أن يخرج أبوه ليشفي غيظه وغيظ أبيه من نفس القاتل الّذي اقتطف ثمار قلوبهم ، فلم يكن من أحمد بن عبد اللّه إلّا أن نادى أباه وقال له : عارضني بمزحاة ومكتل « 2 » . فقال له : سآمر أحد العبيد . . يأتيك بها . فلمّا أيس من الأب . . أطلق بندقيّته على أحمد . . فخرّ صريعا لليدين وللفم ، وانساب ابن ذياب انسياب أيم الرّمل « 3 » ، ولمّا دنا من دار أبيه . . أطلق الرّصاص ؛ إشارة إلى الظّفر ، فاستقبله أبوه في حفل كبير ، وذبح الذّبائح وعمل ضيافة للنّاس . وساغ له الشّراب وكان قدما * يكاد يغصّ بالماء الزّلال « 4 » والنّاس يعدّون صنيع مانع بن ذياب من المعجزات ، ولا بدع ؛ فإنّه من سرّ قوله
--> ( 1 ) الباذياب من الباعنس ، فخيذة من العوابثة . ( 2 ) المزحاة : هي آلة تشبه القدوم عند الحضارمة . والمكتل : هي الوعاء الذي يحمل فيه أيّ متاع من أكل وغيره . ( 3 ) الأيم : الحيّة الذكر . ( 4 ) البيت من الوافر ، وأصله للنّابغة الذّبياني في « ديوانه » ( 118 ) بلفظ : وساغ لي الشّراب وكنت قبلا * أكاد أغصّ بالماء الحميم