لسان الدين ابن الخطيب
17
الإحاطة في أخبار غرناطة
عبد القادر بن عبد اللّه ابن عبد الملك بن سوّار المحاربي حاله : هذا الرجل دمث الأخلاق ، سكون ، وقور . خدم أبوه بغرناطة كاتبا للغزاة ، منوّها به ، مشهورا بكرم وظرف . وانتقل إلى العدوة ، ونشأ ابنه المذكور بها ، وارتسم بخدمة ولي العهد الأمير أبي زيّان ، وورد على الأندلس في وسط عام سبعة وخمسين وسبعمائة في بعض خدمه ، وأقام بغرناطة أياما يحاضر محاضرة يتأنّس به من أجلها الطالب ، وينتظم بها مع أولي الخصوصية من أهل طريقه ، وينقل حكايات مستطرفة ؛ فمن ذلك أن الشيخ عبد الرحمن بن حسن القروي الفاسي كان مع أبي القاسم الزياني بجامع القرويين ليلة سبع وعشرين من رمضان ، فدخل عليهم ابن عبدون المكناسي ، فتلقاه الزياني وتأيّده ، وتوجهوا إلى الثّريّا بالقرويين وقد أوقدت ، وهي تحتوي على نحو ألف كأس من الزجاج ، فأنشد الزياني : [ السريع ] انظر إلى ناريّة نورها * يصدع بالّألاء حجب الغسق فقال ابن عبدون : [ السريع ] كأنّها في شكلها زهرة * انتظم النور بها فاتّسق وحكيت القصة للأديب الشهير أبي الحكم مالك بن المرحّل ، فقال : لو حضرت أنا لقلت : [ السريع ] أعيذها من شرّ ما يتّقى * من فجأة العين بربّ الفلق واستنشد من شعره في الثامن والعشرين لربيع الآخر من العام بقصر نجد ، فقال من حكايات : إن السلطان أمير المسلمين وجد يوما على رجل أمر بتنكيله ، ثم عطف عليه في الحال وأحسن إليه ، وكان حاضرا مجلسه أبو الحسن المزدغي ، رحمه اللّه ، فأنشده بديهة : [ البسيط ] لا تونسنّك من عثمن سطوته * وإن تطاير من أثوابه الشرر فإنّ سطوته واللّه يكلأه * كالبرق والرّعد يأتي بعده المطر قال المترجم به : فحدّثني بذلك والدي ، فتعقّبتها عليه عام تسعة وعشرين وسبعمائة ، لموجب جرّ ذلك بقولي : [ البسيط ] لا تيأسن من رجا كهف الملوك أبي * سعيد المرتجى للنّفع والضّرر الإحاطة في أخبار غرناطة / ج 4 / م 2