لسان الدين ابن الخطيب
74
الإحاطة في أخبار غرناطة
ومن الدّعابة ، وقد وقعت إليها الإشارة من قبل ، ما كتب به إليه صديقه الملاطف أبو علي بن عبد السّلام « 1 » : [ الوافر ] أبا عبد اللّه نداء خلّ * وفيّ جاء يمنحك النّصيحه إلى كم تألف الشّبان غيّا * وخذلانا ، أما تخشى الفضيحة ؟ فأجابه رحمه اللّه : [ الوافر ] فديتك ، صاحب السّمة المليحه * ومن طابت أرومته الصّريحه ومن قلبي وضعت له محلّا * فما عنه يحلّ بأن أزيحه نأيت فدمع عيني في انسكاب * وأكباد « 2 » لفرقتكم قريحه وطرفي لا يتاح له رقاد * وهل نوم لأجفان جريحه ؟ وزاد تشوّقي أبيات شعر * أتت منكم بألفاظ فصيحه ولم تقصد بها جدّا ، ولكن * قصدت بها مداعبة قبيحة « 3 » فقلت : أتألف الشبّان غيّا * وخذلانا ، أما تخشى الفضيحة ؟ وفيهم « 4 » حرفتي وقوام عيشي * وأحوالي بخلطتهم نجيحه وأمري فيهم أمر مطاع * وأوجههم مصابيح صبيحه وتعلم أنّني رجل حصور « 5 » * وتعرف ذاك معرفة صحيحه قال في « التّاج » : ولمّا « 6 » اشتهر المشيب بعارضه ولمّته ، وخفر الدهر لعمود « 7 » صباه وأذمّته ، أقلع واسترجع ، وتألّم لما فرط وتوجّع ، وهو الآن من جلّة الخطباء طاهر العرض والثّوب ، خالص من الشّوب ، باد عليه قبول قابل التوب . وفاته رحمه اللّه : في آخر صفر من عام خمسين وسبعمائة في وقيعة الطاعون العام ، ودخل غرناطة .
--> ( 1 ) البيتان وجوابهما في نفح الطيب ( ج 8 ص 229 ) . ( 2 ) في النفح : « وأكبادي » . ( 3 ) في نفح الطيب : « وقيحة » . ( 4 ) في المصدر نفسه : « ففيهم » . ( 5 ) الحصور : من انقطع عن النساء وتفرّغ للعبادة . وفي القرآن الكريم : وَسَيِّداً وَحَصُوراً . سورة آل عمران 3 ، الآية 39 ، ولسان العرب ( حصر ) . ( 6 ) النص في نفح الطيب ( ج 8 ص 230 ) . ( 7 ) في النفح : « لصباه » .