لسان الدين ابن الخطيب
48
الإحاطة في أخبار غرناطة
محمد بن أحمد الرّقوطي « 1 » المرسي يكنى أبا بكر . حاله : كان طرفا في المعرفة بالفنون القديمة ؛ المنطق والهندسة والعدد والموسيقا والطّب ، فيلسوفا ، طبيبا ماهرا ، آية اللّه في المعرفة بالألسن ، يقرئ الأمم بألسنتهم فنونهم التي يرغبون في تعلمها ، شديد البأو ، مترفّعا ، متعاطيا . عرف طاغية الروم حقّه ، لما تغلّب على مرسية ، فبنى له مدرسة يقرئ فيها المسلمين والنصارى واليهود ، ولم يزل معظما عنده . ومما يحكى من ملحه معه ، أنه قال له يوما ، وقد أدنى منزلته ، وأشاد بفضله : لو تنصّرت وحصّلت الكمال ، كان عندي لك كذا وكذا ، وكنت كذا ، فأجابه بما أقنعه . ولما خرج من عنده ، قال لأصحابه : أنا الآن أعبد واحدا ، وقد عجزت عما يجب له ، فكيف حالي لو كنت أعبد ثلاثة كما أراد مني . وطلبه سلطان المسلمين ، ثاني الملوك من بني نصر « 2 » ، واستقدمه ، وتلمذ له ، وأسكنه في أعدل البقع من حضرته . وكان الطلبة يغشون منزله المعروف له ، وهو بيدي الآن ، فتعلّم عليه الطب والتعاليم وغيرها ، إذ كان لا يجارى في ذلك . وكان قويّ العارضة ، مضطلعا بالجدل ، وكان السلطان يجمع بينه وبين منتابي حضرته ، ممن يقدم منتحلا صناعة أو علما ، فيظهر عليهم ، لتمكنه ودالّته ، حسبما يأتي في اسم أبي الحسن الأبّدي ، وأبي القاسم بن خلصون ، إن شاء اللّه . وكان يركب إلى باب السلطان ، عظيم التّؤدة ، معار البغلة ، رائق البزّة ، رفيق المشي ، إلى أن توفي بها ، سمح اللّه له . محمد بن إبراهيم بن المفرّج الأوسي المعروف بابن الدبّاغ الإشبيلي . حاله : كان واحد عصره في حفظ مذهب مالك ، وفي عقد الوثائق ، ومعرفة عللها ، عارفا بالنحو واللغة والأدب والكتابة والشعر والتاريخ . وكان كثير البشاشة ، عظيم الانقباض ، طيّب النفس ، جميل المعاشرة ، كثير المشاركة ، شديد التّواضع ، صبورا على المطالعة ، سهل الألفاظ في تعليمه وإقرائه . أقرأ بجامع غرناطة لأكابر علمائها الفقه وأصوله ، وأقرأ به الفروع والعقائد للعامة مدة . وأقرأ بجامع باب الفخّارين ، وبمسجد ابن عزرة وغيره .
--> ( 1 ) نسبة إلى رقوطة Ricate ، وهي من قرى مرسية . ( 2 ) هو السلطان أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن يوسف بن نصر ، وقد حكم غرناطة من سنة 671 - 701 ه . اللمحة البدرية ( ص 50 ) .