لسان الدين ابن الخطيب
446
الإحاطة في أخبار غرناطة
والعناء « 1 » ، ومواقف الحرب ، فإنه دهم في المثل ، أشبه امرءا يعض برّه ، فقد كان أليق الناس بصحبة الميورقي ، وأنسبهم إلى خدمته . مشيخته : روى عن أبي زيد بن السّهيلي « 2 » . بعض أخباره في البأو والصّرامة : حدّثنا شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب عمن حدّثه من أشياخه ، قال « 3 » : وجّهه الميورقي في عشيّة يوم من أيام حروبه إلى المأزق ، وقد طال العراك ، وكاد يكلّ الناس عن الحرب ، إلى أن يباكروها من الغد ، فنفذ لما أمر به . ولما بلغ الصّدر اشتدّ على الناس ، وذعر « 4 » أرباب الحفيظة ، وأنهى إليهم العزم من أميرهم في الحملة ، فانهزم عدوّهم شرّ هزيمة ، ولم يعد أبو محمد إلّا في آخر الليل بالأسلاب والغنيمة ، وقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ فقال له : الذي عملت هو شأني ، وإذا أردت من يصرف الناس عن الحرب ويذهب ريحهم ، فانظر غيري . وحدّثني « 5 » كذلك أنّ ولدا له صغيرا تشاجر مع ترب له من أولاد أميره أبي زكريا ، فنال منه ولد الأمير ، وقال : وما قدر أبيك ؟ ولمّا بلغ ذلك أباه خرج مغضبا لحينه ، ولقي ولد الأمير المخاطب لولده ، فقال : حفظك اللّه ! لست أشكّ في أنّي خديم أبيك ، ولكني أحبّ أن أعرّفك بمقداري « 6 » ومقداره ، اعلم إنّ أباك وجّهني رسولا إلى الخليفة « 7 » ببغداد بكتاب عن نفسه ، فلمّا بلغت بغداد نزلت « 8 » في دار اكتريت لي بسبعة دراهم في الشهر ، وأجري عليّ سبعة دراهم في اليوم ، وطولع بكتابي ، وقيل : من الميورقي الذي وجّهه ؟ فقال بعض الحاضرين : هو رجل مغربي ثائر على أستاذه . وأقمت شهرا ، ثم استدعيت إلى الانصراف ، ولمّا دخلت دار الخلافة وتكلّمت مع من بها من الفضلاء ، أرباب « 9 » المعارف والآداب ، اعتذروا لي ، وقالوا للخليفة : هذا رجل جهل مقداره ، فأعدت إلى محلّ اكتري « 10 » لي بسبعين درهما ، وأجري عليّ مثلها في اليوم ، ثم استدعيت ، فودعت الخليفة ، واقتضيت ما تيسّر من جوابه « 11 » ، وصدر لي شيء له حظّ « 12 » من صلته . وانصرفت إلى أبيك .
--> ( 1 ) في النفح : « والغناء في مواقف . . . » . ( 2 ) في التكملة ( ج 3 ص 143 ) والمقتضب ( ص 168 ) « روى عن أبي القاسم السهيلي » . ( 3 ) قارن بنفح الطيب ( ج 3 ص 356 ) . ( 4 ) في النفح : « وذمّر » . ( 5 ) قارن بنفح الطيب ( ج 3 ص 357 ) . ( 6 ) في النفح : « بنفسي ومقداري ومقدار أبيك » . ( 7 ) في النفح : « إلى دار الخلافة » . ( 8 ) في النفح : « أنزلت » . ( 9 ) في النفح : « وأرباب » . ( 10 ) في الأصل : « اكتريت » والتصويب من النفح . ( 11 ) في النفح : « حوائجه » . ( 12 ) في الأصل : « خطر » والتصويب من النفح .