لسان الدين ابن الخطيب

440

الإحاطة في أخبار غرناطة

عبد الملك بن سعيد بن خلف العنسي « 1 » من أهل قلعة يحصب « 2 » من عمل إلبيرة . حاله ونسبه : هو عبد الملك بن سعيد بن خلف بن سعيد بن محمد بن عبد اللّه بن سعيد بن الحسن بن عثمان بن محمد بن عبد اللّه بن سعيد بن عمّار بن ياسر ، صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وكان عينا من أعيان الأندلس ، مشارا إليه في البيت والرأي ، والجزالة والفضل . علقت به الآمال ، ورفعت إليه الممادح ، وحطّت لديه الرّحال . وكان من أولي الجلالة والنّباهة ، والطّلب والكتابة الحسنة ، والخطّ البارع . واشتمل على حظوة الأمير يحيى بن غانية اللّمتوني ، وكتب عنه . بلده قلعة بني سعيد ، فثقفها ، وجعل بها أكبر بنيه عبد الرحمن ضابطا لها وحارسا ، فحصّنها أبو مروان ومهدها بالعمارة ، فكانت في الفتنة مثابة وأمنا ، وحرزا له ولبنيه ، فانجلت الناس إليها من كل مكان . ولما قبض ابن غانية على القمط مرين وأصحابه النصارى عندما وصلوا لاستنجاز الوعد في الخروج عن جيّان ، وتحصّلوا بيده بإشارة عبد الملك بن سعيد ، حسبما ثبت في اسم الأمير يحيى ، ثقّفهم بالقلعة بيد ثقته المذكور وأمينه أبي مروان ، فتحصلوا في معقل حريز ، عند أمير وافر العقل ، سديد الرأي . ومات ابن غانية بغرناطة لأيام قلائل ، واختلف قومه ، فنظر أبو مروان لنفسه ، وعاهد القمط مرين ومن معه من الزعماء على عهود ، أخذها عليهم وعلى سلطانهم ، أن يكون تحت أمن وحفظ طول مدّته ، فأجريت القلعة في الأمن والحماية ، وكفّ أيدي التّعدّي مجرى ما لملك النّصري « 3 » من البلاد ، فشمل أهلها الأمن ، واتسعت فيها العمارة ، وتنكبتها النّكبات ، وتحاشتها الغارات . ولم يزل أبو مروان بها إلى أن دخل في أمر الموحدين . ووصل هو وابنه إلى السيد أبي سعيد بغرناطة ، وحضر معه غزوة ألمريّة ، ثم دخل بجملته ، فكمل له الأمن ، وأقرّ على القلعة ، وأمر بسكنى غرناطة بولده . ثم وصل ثانية إلى مراكش صحبة السيد أبي سعيد ، ولقي من البرّ ولطف المكانة عادته ، واستكتب ابنه أحمد بن أبي مروان الخليفة في هذه الوجهة ، وانتظم في جملة الكتّاب والأصحاب .

--> ( 1 ) ترجمة عبد الملك بن سعيد في المغرب ( ج 2 ص 161 ) ورايات المبرزين ( ص 169 ) ونفح الطيب ( ج 3 ص 91 ، 97 ) و ( ج 4 ص 161 ) و ( ج 5 ص 79 ) . ( 2 ) قلعة يحصب : بالإسبانية alcala la real ، أي القلعة الملكية ، وتعرف أيضا بقلعة يعقوب أو القلعة السعدية ، أي قلعة بني سعيد . مملكة غرناطة في عهد بني زيري ( ص 62 ) . ( 3 ) النصري هنا النصراني ، والمراد : أن تنعم قلعة بني سعيد بالأمن كما تنعم بلاد النصارى .