لسان الدين ابن الخطيب

411

الإحاطة في أخبار غرناطة

نصر ، المستقرّ موادعا بوادي آش ، وأوقع بجيش المسلمين مظاهر الطاغية ، الوقيعة الشّنيعة بقرمونة ، وأقام لديه مدّة . ثم لحق بأرض النّصري ، وأجاز البحر إلى سبتة ، مظاهرا لأميرها أبي عمرو يحيى بن أبي طالب العزفي ، وقد كشف القناع في منابذة طاعة السلطان ، ملك المغرب ، وكان أملك لما بيده ، وأتيح له ظفر عظيم على الجيش المضيّق على سبتة ، فبيّته وهزمه . وتخلّص له ولده ، الكائن بمضرب أمير الجيش في بيت من الخشب رهينة ، فصرف عليه ، فما شئت من ذياع شهرة ، وبعد صيت ، وكرم أحدوثة . ثم بدا له في التّحول إلى تلمسان ، فانتقل إليها ، وأقام في إيالة ملكها عبد الرحمن بن موسى بن تاشفين إلى آخر عمره . وفاته : توفي يوم دخول مدينة تلمسان عنوة ، وهو يوم عيد الفطر من عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة ، قتل على باب منزله ، يدافع عن نفسه ، وعلى ذلك فلم يشهر عنه يومئذ كبير غناء ، وكوّر واستلحم ، وحزّ رأسه . وكان أسوة أميرها في المحيا والممات ، رحم اللّه جميعهم ، فانتقل بانتقاله وقتل بمقتله . وكان أيضا علما من أعلام الحروب ، ومثلا في الأبطال ، وليثا من ليوث النّزال . عبد الملك بن علي بن هذيل الفزاري وعبد اللّه أخوه « 1 » حالهما : قال ابن مسعدة : أبو محمد وأبو مروان تولّيا خطّة الوزارة في الدولة الحبّوسية « 2 » ، ثم تولّيا القيادة بثغور الأندلس ، وقهرا ما جاورهما من العدوّ ، وغلباه ، وسقياه كأس المنايا ، وجرّعاه . ولم يزالا قائمين على ذلك ، ظاهرين علمين ، إلى أن استشهدا ، رحمهما اللّه . عبد القهار بن مفرج بن عبد القهار بن هذيل الفزاري حاله : قال ابن مسعدة : كان بارع الأدب ، شاعرا ، نحويا ، لغويا ، كاتبا متوقّد الذهن ، عنده معرفة بالطّب ، ثم اعتزل الناس ، وانقبض ، وقصد سكنى البشارات « 3 » ؛ لينفرد بها ، ويخفي نفسه ؛ فرارا من الخدمة ، فتهيّأ له المراد .

--> ( 1 ) راجع أخبارهما في : مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر ( ص 109 ) . ( 2 ) نسبة إلى حبوس بن ماكسن بن زيري بن مناد ، وقد حكم غرناطة في عصر ملوك الطوائف من سنة 410 ه إلى سنة 429 ه . انظر أخباره مفصلة في : مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر ( ص 105 - 117 ) . ( 3 ) البشارات أو البشرّات alpujarras ، هي المنطقة الجبلية الواقعة جنوب سفوح جبل شلير ، على مقربة من البحر المتوسط . نفح الطيب ( ج 1 ص 150 ) و ( ج 4 ص 524 - 225 ) ومملكة غرناطة ( ص 46 ) .