لسان الدين ابن الخطيب
381
الإحاطة في أخبار غرناطة
الانتحال ، وحصحص الحقّ وذهب المحال ، وقد طولعت بكل بشرى وبشر ، وزفّت هند منك إلى بشر ، فللّه من عشيّة تمتّعت من الربيع بفرش موشيّة ، وابتذلت « 1 » منها أي وساد وحشية ، وقد أقبل ظبي الكناس ، من الدّيماس ، ومطوق الحمام ، من الحمّام ، وقد حسّنت الوجه الجميل التّطرية « 2 » ، وأزيلت عن الفرع الأثيث الإبرية « 3 » ، وصقلت الخدود فهي « 4 » كأنها الأمرية « 5 » ، وسلّط الدّلك على الجلود ، وأغريت النّورة بالشّعر المولود ، وعادت الأعضاء يزلق عنها اللّمس ، ولا تنالها البنان الخمس ، والسّحنة يجول في صفحتها الفضّيّة ماء النعيم ، والمسواك يلبّي من ثنيّة التّنعيم والقلب يرمي من الكفّ الرّقيم « 6 » بالمقعد المقيم ، وينظر إلى نجوم الوشوم ، فيقول : إني سقيم . وقد تفتّح ورد الخفر ، وحكم لزنجي الظّفيرة بالظّفر ، واتّصف أمير الحسن بالصّدود المغتفر ، ورشّ بماء الطّيب ، ثم أعلق بباله دخان العود الرّطيب . وأقبلت الغادة ، يهديها اليمن وتزقّها السعادة ، فهي تمشي على استحياء وقد ذاع طيب الريّا ، وراق حسن المحيّا ، حتى إذا نزع الخفّ ، وقبّلت الأكفّ ، وصخب « 7 » المزمار وتجاوب الدّف ، وذاع الأرج ، وارتفع الحرج ، وتجوّز اللّوا والمنعرج ، ونزل على بشر بزيارة هند الفرج ، اهتزّت الأرض وربت ، وعوصيت الطّباع البشرية فأبت . وللّه درّ القائل « 8 » : [ المتقارب ] ومرّت فقالت « 9 » : متى نلتقي ؟ * فهشّ اشتياقا إليها الخبيث وكاد يمزّق سرباله * فقلت : إليك يساق الحديث « 10 » فلمّا انسدل جنح الظلام ، وانتصفت من غريم العشاء الأخيرة فريضة الإسلام « 11 » ، وخاطت خيوط المنام ، عيون الأنام ، تأتّى دنوّ الجلسة ، ومسارقة الخلسة ، ثم عضّة النهد ، وقبلة الفم والخدّ ، وإرسال اليد من النّجد إلى الوهد ،
--> ( 1 ) في النفح : « وأبدلت منها أي آساد وحشية » . ( 2 ) في الأصل : « النظريّة » . وتطرية الوجه : تحسينه وتزيينه . لسان العرب ( طرا ) . ( 3 ) الفرع : الشّعر . الأثيث : الكثير ، والمراد هنا شعر الرأس . الإبرية : قشر الرأس يسقط عند المشط . محيط المحيط ( فرع ) و ( أثث ) و ( برى ) . ( 4 ) كلمة « فهي » غير واردة في النفح . ( 5 ) الأمرية : المرايا ، جمع مرآة . ( 6 ) الرقيم : المزيّن . لسان العرب ( رقم ) . ( 7 ) في الأصل : « وصحب » والتصويب من النفح . ( 8 ) البيتان لبشار بن برد ، وهما في ديوانه ( ص 289 ) . ( 9 ) في الديوان : « فقلت » . ( 10 ) أخذ عجز البيت من المثل : « إليك يساق الحديث » . مجمع الأمثال ( ج 1 ص 48 ) . ( 11 ) في النفح : « السلام » .