لسان الدين ابن الخطيب

360

الإحاطة في أخبار غرناطة

عبد الرحيم بن إبراهيم بن عبد الرحيم الخزرجي « 1 » يكنى أبا القاسم ، ويعرف بابن الفرس ، ويلقّب بالمهر ، من أعيان غرناطة . حاله : كان « 2 » فقيها جليل القدر ، رفيع الذّكر ، عارفا بالنحو واللغة والأدب ، ماهر « 3 » الكتابة ، رائق الشعر ، بديع التّوشيح ، سريع البديهة ، جاريا على أخلاق الملوك في مركبه وملبسه وزيّه . قال ابن مسعدة « 4 » : وطىء من درجات العزّ والمجد أعلاها ، وفرع من الأصالة منتماها . ثم علت همّته إلى طلب الرّئاسة والملك ، فارتحل إلى بلاد العدوة ، ودعا إلى نفسه ، فأجابه إلى ذلك الخلق الكثير ، والجمّ الغفير ، ودعوه باسم الخليفة ، وحيّوه بتحيّة الملك . ثم خانته الأقدار ، والدهر بالإنسان غدّار ، فأحاطت به جيوش الناصر « 5 » بن المنصور ، وهو في جيش عظيم من البربر ، فقطع رأسه ، وهزم جيشه ، وسيق إلى باب الخليفة ، فعلّق على باب مرّاكش ، في شبكة حديد ، وبقي به مدة من عشرين سنة « 6 » . قال أبو جعفر بن الزبير : كان أحد نبهاء وقته لولا حدّة كانت فيه أدّت به إلى ما حدّثني به بعض شيوخي من صحبه . قال : خرجنا معه يوما على باب من أبواب مراكش برسم الفرجة ، فلمّا كان عند الرجوع نظرنا إلى رؤوس معلّقة ، وتعوّذنا بالله من الشّرّ وأهله ، وسألناه سبحانه العافية . قال : فأخذ يتعجب منّا ، وقال : هذا خور طريقة وخساسة همّة ، واللّه ما الشرف والهمّة إلّا في تلك ، يعني في طلب الملك ، وإن أدّى الاجتهاد فيه إلى الموت دونه على تلك الصّفة . قال : فما برحت الليالي والأيام ، حتى شرع في ذلك ، ورام الثورة ، وسيق رأسه إلى مراكش ، فعلق في جملة تلك الرؤوس ، وكتب عليه ، أو قيل

--> ( 1 ) ترجمة عبد الرحيم الخزرجي في التكملة ( ج 3 ص 60 ) والحلة السيراء ( ج 2 ص 270 ) والمغرب ( ج 2 ص 111 ، 122 ) وكتاب العبر ( م 6 ص 522 ) وبغية الوعاة ( ص 305 ) . ( 2 ) قارن ببغية الوعاة ( ص 305 ) . ( 3 ) في البغية : « باهر » . ( 4 ) ابن مسعدة : هو أحد شيوخ عبد الرحيم الخزرجي ، وقد أخذ عنه النحو . بغية الوعاة ( ص 305 ) . ( 5 ) هو الخليفة الموحدي محمد بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ، وقد حكم المغرب والأندلس من سنة 595 ه إلى سنة 610 ه . البيان المغرب - قسم الموحدين ( ص 236 ) . ( 6 ) جاء في بغية الوعاة أن رأسه قطع وعلّق على باب مراكش في سنة إحدى وستمائة ، وهو ابن ست وثلاثين سنة . وجاء في التكملة والحلة السيراء أنه قتل في نحو الستمائة .