لسان الدين ابن الخطيب
338
الإحاطة في أخبار غرناطة
بكر بن منظور . وبغرناطة عن جلّة ؛ منهم شيخنا رئيس الكتاب أبو الحسن ابن الجيّاب ، وقاضي الجماعة أبو القاسم بن أحمد الحسني ، ولازم بالمغرب الرئيس أبا محمد عبد المهيمن الحضرمي ، والقاضي أبا إسحاق إبراهيم بن أبي يحيى ، وأبا العباس بن يربوع السّبتي . وبتلمسان عن أبي عبد اللّه الآبلي ، وأبي عبد اللّه بن النّجار ، وغيرهما . وبتونس عن قاضي الجماعة أبي عبد اللّه بن عبد السلام ، وعن جماعة غيرهم . شعره : ونظمه ونثره متجاريان لهذا العهد في ميدان الإجادة . أما شعره ، فمتناسب الوضع ، سهل المأخذ ، ظاهر الرّواء ، محكم الإمرة للتّنقيح . وأما نثره ، فطريف السّجع ، كثير الدّالة ، مطيع لدعوة البديهة ، وربما استعمل الكلام المرسل ، فجرى يراعه في ميدانه ملء عنانه . وجرى ذكره في « التاج » أيام لم يفهق « 1 » حوضه ، ولا أزهر روضه ، ولا تباينت سماؤه ولا أرضه ، بما نصه « 2 » : أديب أحسن ما شاء ، وفتح قليبه « 3 » فملأ الدّلو وبلّ الرّشاء « 4 » ، وعانى على حداثته الشعر والإنشاء ، وله ببلده بيت معمور بفضل وأمانة ، ومجد وديانة . ونشأ هذا الفاضل على أتمّ العفاف والصّون ، فما مال إلى فساد بعد الكون . وله خطّ بارع ، وفهم إلى الغوامض مسارع . وقد أثبتّ من كلامه ، ونفثات أقلامه ، كلّ محكم العقود ، زاريا « 5 » بنت العنقود . فمن ذلك قصيدة « 6 » أنشدها للسلطان أمير المسلمين « 7 » ، مهنّئا بهلاك الأسطول الحربي بالزّقاق الغربي « 8 » ، أجاد أغراضها ، وسبك المعاني وراضها ، وهي قوله « 9 » : [ الطويل ] لعلّكما أن ترعيا لي وسائلا * فباللّه عوجا بالرّكاب وسائلا بأوطان أوطار قفا ومآربي * وبالحبّ خصّا بالسّلام المنازلا ألا فانشدا بين القباب من الحمى * فؤاد شج أضحى عن الجسم راحلا
--> ( 1 ) فهق حوضه : امتلأ . لسان العرب ( فهق ) . ( 2 ) النص في نفح الطيب ( ج 8 ص 241 ) . ( 3 ) القليب : البئر . لسان العرب ( قلب ) . ( 4 ) الرّشاء : الحبل . لسان العرب ( رشا ) . ( 5 ) في النفح : « زار بابنة » . ( 6 ) في النفح : « فمن ذلك قوله » وأورد الشعر مباشرة . ( 7 ) أمير المسلمين هنا هو السلطان أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل النصري ، وقد حكم غرناطة من سنة 733 ه إلى سنة 755 ه . راجع اللمحة البدرية ( ص 102 ) . ( 8 ) المقصود بالزقاق الغربي جبل الفتح ، أو جبل طارق ، الذي نازله ألفونش بن هرانده ، فهلك فيه حتف أنفه عام 751 ه . اللمحة البدرية ( ص 108 ) . ( 9 ) ورد في نفح الطيب من هذه القصيدة خمسة أبيات فقط .